سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته

العودة   ملتقى مونمس ® > القسم الإسلامي > المنتدى الإسلامي العام > سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام

سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام

!~ آخـر 10 مواضيع ~!
إضغط على شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
من 5 عدد المصوتين: 0
انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-05-2012, 11:46 PM
الصورة الرمزية Arsalan
عضو نشيط
 
شكراً: 192
تم شكره 741 مرة في 171 مشاركة

Arsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريبArsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريب









Smile ●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السابع || ~ ‏

 






.


.: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :.

أسعد اللهَ أيامكُم ولياليكُم بطاعتـه وحـسن ذكره

كـيـف حـالكُم , وأحـوالـكُم أيها الأعضاء الكرام .؟


عساكُم بخير وكُلُ الأمورِ بخير وعافية وصحة



.








.


الحمدلله , بفضل الله نعودُ مُجدداً لنُكمل هذه السلسلة , سيرة مولانا عُمـر

بن الخطاب رضيَ الله عنه بإذن الله , ولزيارة الأجزاء السابقة مِن السلسلة :-





●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ الأول || ~

●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ الثاني || ~

●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ الثالث || ~

●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ الرابع || ~

●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ الخامس || ~


●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السادس || ~





نسأل الله تعالى أن تكون هذه السلسلة مصدر فائدة وأستفادة وأن يتقبله خالصاً لعظمته ~

والنبدأ بالموضوع على بركة الله :-


.






.

· أهم الفوائد والدروس والعبر:

- هل كان الفتح صلحاً أم عنوة؟

اختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحاً أو عنوة؟ فأكثر العلماء على أنه استقر أمرها على الصلح، لأنهم شكُّوا في المتقدم على الآخر، أفتِحَت عنوة ثم عَدَلَ الروم إلى المصالحة؟ أو فتحت صلحاً، أو اتفق الاستيلاء من الجانب الآخر قسراً؟ فلما شكُّوا في ذلك جعلوها صلحاً احتياطاً، وقيل بل جُعِلَ نصفها صلحاً، ونصفها عنوة، وهذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة العظمى التي كانت أكبر معابدهم حين أخذوا نصفها وتركوا نصفها([1])، والله أعلم.


.

- تاريخ فتحها:

قال ابن كثير: وظاهر سياق سيف بن عمر، يقتضي أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة، ولكن نصَّ سيف على ما نصّ عليه الجمهور من أنها وقعت في نصف رجب سنة أربعة عشرة([2])، وقد ذكر خليفة بن خياط: أن أبا عبيدة حاصر الروم بدمشق في رجب وشعبان ورمضان وشوال وتم الصلح في ذي القعدة([3])، والمهم أن فتحها كان بعد معركة اليرموك([4]).


.

- تطبيقات لبعض مبادئ الحرب:

لم يخل فتح دمشق من تطبيقات مبادئ الحرب عند المسلمين فاشتملت على المباغتة، والمبادأة، وانتهاز الفرص وإبداعات القادة الميدانيين، وقد رأينا ما قام به خالد بن الوليد من استطلاع ومن انتخاب منطقة العبور الملائمة، كيف تغير الموقف، وانقلب من عملية حصار إلى عملية اقتحام وإذا ما قارنّا بين ما فعله خالد بن الوليد باستخدامه الحبال على هيئة سلاليم والاستفادة منها بتسلقه على سور دمشق، وبين ما فعله الجيش المصري في حرب تشرين عام 1973م على الجبهة المصرية عند عبوره خط بارليف الإسرائيلي واستخدامه الحبال على هيئة سلاليم أيضاً للوصول إلى المواضع الدفاعية المعادية، نجد أنه قد تم بالصيغة والأسلوب والأداة نفسها، والتي توضح لنا عبقرية المسلمين إبان الفتوحات الإسلامية، وما معاركنا الحديثة إلا امتداداً لهذا الإبداع والعبقرية([5]).


.

- بعض ما قيل من الشعر في فتح دمشق:

قال القعقاع بن عمرو:

أقمنا على دار سليمان أشهراً
بخالد روما وقد حملنا بصارم([6])

قصصنا إلى الباب الشرقي عنوة
فدان لنا مستسلماً كل قائم([7])

أقول وقد دارت رحانا بدارهم
أقيموا لهم حر الورى بالغلاصم([8])

فلما زأدنا في دمشق نحورهم
وتدمر عضوا منهما بالأباهم([9])



.

· تمهيد الفتح بعد دمشق:

بعد فتح دمشق أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى البِقَاع([10])، ففتح بالسيف، وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون، وعلى الروم رجل يقال له (سنان) تحدّر على المسلمين من عَقَبة بيروت، فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون عين ميسنون عين الشهداء واستخلف أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبي سفيان وبعث يزيد دِحْيَة بن خليفة إلى تدمر في سرية ليمهدوا أمرها وبعث
أبا الزهراء القشيري إلى البثنّية وحوران فصالح أهلها، وافتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبريَّة فإن أهلها صالحوه، وغلب خالد على أرض البقَاع، وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتاباً.


.

ثانياً: وقعة فِحْل:

تحركت القوات المكلفة بمهاجمة مدينة (فحل) نحو الجنوب وعندما وصلت مشارفها كانت قوة جيش الروم تقارب المائة ألف، تسلل أكثرهم من حمص وانضمت إليهم القرى التي هزمت في معارك سابقة عندما وصلت القوة المكلفة بمحاصرة فحل من جيش المسلمين بقيادة عمار بن مخشن جابهها جيش الروم بشق الترع من بحيرة طبرية وسلطوا مياهها على الأطيان المحيطة بفحل بقصد إعاقة جيش الإسلام وخاصة الفرسان وهذا ما يستخدم في وقتنا الحاضر ضد الدروع وبذلك أعاقوا حركة فرسان المسلمين، لقد جعل الرومان من هذه الأوحال خطاً دفاعياً منيعاً عن فحل رغم أنها تقع في سهل منبسط ولو كان هذا السهل يابساً لتمكن المسلمون بسهولة من اقتحام المدينة لأنهم أقدر الناس على مباشرة حرب الصحراء، وتوقف عمارة بن مخشن ووزع قواته لحصار فحل ولم يقتحمها وذلك للفارق العددي الكبير في القوة ولصعوبة التقدم وعدم التمكّن من اجتياز هذا المانع المائي الذي عمله الرومان واقتصر المسلمون على فرض الحصار على مدينة فحل التي يعتصم بها الروم إلى أن فرغ أبو عبيدة من فتح دمشق العاصمة وضم جيشه إلى جيش أبي الأعور السلمي وأعاد أبوعبيدة تنظيم قواته على النحو التالي:

- المقدمة بقيادة خالد بن الوليد.

- الميمنة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح.

- الميسرة بقيادة عمرو بن العاص.

- الفرسان بقيادة ضرار بن الأزور.

- قيادة مجموعات المشاة عياض بن غنم.

- القيادة العامة لشرحبيل بن حسنة وذلك لأن موقع المعركة هو في حدود المنطقة التابعة له واستلم القيادة شرحبيل بن حسنة ثم نظم إقامة القوات وإمدادها ووضع مخططاً لاستنفار القوات وبقاء القوة جاهزة باستمرار لمواجهة الطوارئ وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة([11])، وطال حصار المسلمين لمدينة فحل وظن الروم أن باستطاعتهم تحقيق المباغتة والقيام بهجوم ليلي حاسم وعلى الروم سقلاب بن مخراق فهجموا على المسلمين فنهضوا عليهم نهضة رجل واحد لأ نهم كانوا على أهبة دائمة ودارت معركة حتى الصباح وذلك اليوم بكامله إلى الليل فلما أظلم الليل فر الروم وقتل أميرهم وركب المسلمون أكتافهم واسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل المانع الذي أعدوه للمسلمين ونتيجة للإجراءات الأمنية والاستعداد الذي قام به شرحبيل على قواته، حدثت الفوضى في جيش الرومان المهاجم والتفرغ للهجوم المضاد الذي شنه المسلمون فوقع الرومان لدى انهزامهم في المانع المائي الذي صنعوه بأيديهم حول فحل فركب المسلمون أكتافهم ولم ينجو منهم إلا الشريد، ولقد تمت تصفية القوة المحاصرة في فحل وعندها توجه المسلمون نحو أهدافهم لمتابعة خطة العمليات الأساسية فتم توجيه:

.





-:مواضيع أخرى تفيدك:-

Share

رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ Arsalan على المشاركة المفيدة:
قديم 07-05-2012, 11:46 PM   رقم المشاركة : 2
Arsalan
عضو نشيط






 

الحالة
Arsalan غير متواجد حالياً

 
Arsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريبArsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريب

التميز في القسم الإسلامي عضو متميز 

شكراً: 192
تم شكره 741 مرة في 171 مشاركة

 
افتراضي رد: ●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السابع || ~ ‏




.
- شرحبيل بن حسنة إلى الأردن.

- عمرو بن العاص إلى فلسطين.

انطلق أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد إلى حمص وعند وصولهما إلى مرج الروم دارت معركة طاحنة حتى غطت جثث الموتى السهل وفي هذه المعركة تمكن المسلمون من تطبيق مبدأ مهم من مبادئ الحرب والعمليات التعرضية حيث اصطدمت مقدمة الروم بمقدمة المسلمين فعندما شعر (توذرا) باصطدام مقدمة جيشه بجيش المسلمين قام بحركة استدارة وانطلق في اتجاه دمشق وعلم المسلمون بالأمر ودرسوا الموقف فقرر
أبو عبيدة توجيه قوة بقيادة خالد بن الوليد لمطاردة (توذرا) والانقضاض عليه من الخلف وأبو عبيدة يبقى في مواجهة ومشاغلة جيش الروم في الوقت نفسه استطاعت استخبارات المسلمين من معرفة حركة واتجاه تقدم توذرا فتقدم جيش يزيد بن
أبي سفيان للقائه واشتبك معه وما أن تم الاصطدام بين توذرا وجيش يزيد حتى باغت خالد بن الوليد الروم بضربهم من الخلف وتمت تصفية توذرا تصفية كاملة تقريباً([12]).


.


- مما قاله القعقاع بن عمرو في يوم فحل:

وغداة فحل قد رأوني معلماً
والخيل تنحط والبلا أطوار

ما زالت الخيل العراب تدوسهم
في يوم فحل والقنا موار([13])

حتى رمين سراتهم عن أسرهم
في ردة ما بعدها استمرار([14])

يوم الرداغ فعند فحل ساعة
خر الرماح عليهم مدار؟

ولقد أبدنا في الرداغ جموعهم

طراً ونحوي تبسم الأبصار


.

وقال أيضاً:

وغداة فحل قد شهدنا مأقطاً
ينسى الكمي سلاحه في الدار([15])

ما زلت أرميهم بقرحة كامل
كر المبيح ريانة الأبسار([16])

حتى فضضنا جمعهم بترس
ينفي العدو إذا سما جرار([17])

نحن الأولى جسوا العراق بتردس
والشام جساً في ذرى الأسفار([18])



.

ثالثاً: فتح بيسان وطبريّة:

انصرف أبو عبيدة وخالد بمن معهما من الجيوش نحو حمص كما أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، واستخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل بن حسنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص، فحاصر بَيْسَان فخرجوا إليه فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه دمشق، وضرب عليهم الجزية، والخراج على أراضيهم، وكذلك فعل أبو الأعور السلمي بأهل طبرية سواء([19]).


.

رابعاً: وقعة حِمْص سنة 15هـ:

واصل أبو عبيدة تتبعه للروم المنهزمين إلى حمص، ونزل حولها يحاصرها، ولحقه خالد بن الوليد، فحاصروها حصاراً شديداً، وذلك في زمن البرد الشديد، وصابر أهل البلد رجاء أن يصرف المسلمين عن المدينة شدة البرد، وَصَبَر الصحابة صبراً عظيماً بحيث إنه ذكر غير واحد أن من الروم من كان يرجع، وقد سقطت رجله وهي في الخف، والصحابة ليس في أرجلهم شيء سوى النعال، ومع هذا لم يصب منهم قدم ولا إصبع، ولم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتد الحصار، وأشار بعض كبار أهل حمص عليهم بالمصالحة فأبوا عليه ذلك وقالوا: أنصالح والمَلِك منا قريب؟ فيقال إن الصحابة كبروا في بعض الأيام تكبيرة ارتجت منها المدينة ووقعت زلزلة تفطرت منها بعض الجدران ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور، فجاءت عامتهم إلى خاصتهم فقالوا: ألا تنظرون إلى ما نزل بنا، وما نحن فيه؟ ألا تصالحون القوم عنا؟ قال: فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق، على نصف المنازل، وضرْبِ الخراج على الأراضي، وأخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى والفقر، وبعث أبو عبيدة بالأخماس والبشارة إلى عمر مع عبد الله بن مسعود وأنزل أبو عبيدة بحمص جيشاً كثيفاً يكون بها مع جماعة من الأمراء منهم بلال، والمقداد، وكتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بأن هرقل قد قطع الماء([20]) عن الجزيرة وأنه يظهر تارة ويخفى أخرى فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده([21]).


.

خامساً: وقعة قنَّسرين سنة 15هـ:

بعث أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قِنّسرين([22])، فلما جاءها ثار إليه أهلها ومن عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالد فيها قتالاً شديداً وقتل منهم خلقاً كثيراً، فأما من هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميناس، وأما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا فقبل منهم خالد وكف عنهم، ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه، فقال لهم خالد: إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه، فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الموقعة قال: يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني، والله إني لم أعزله عن ريبة ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه([23]).


.

سادساً: وقعة قِيسارية سنة 15هـ:

وفي هذه السنة أمّر عمر معاوية بن أبي سفيان على قيْسارية([24]) وكتب إليه: أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير، فسار إليها فحاصرها، وزاحفه أهلها مرات عديدة، وكان آخرها وَقْعَةَ أن قاتلوا قتالاً عظيماً، وصمم عليهم معاوية، واجتهد في القتال حتى فتح الله عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحوٌ من ثمانين ألفاً، وكمَّل المائة الألف من الذين انهزموا عن المعركة وبعث بالفتح والأخماس إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه([25]) هذا ويرى الدكتور عبد الرحمن الشجاع أن مدن الشام تساقطت تحت ضربات المجاهدين الواحدة تلو الأخرى، لأن الروم كانوا من الهزيمة بمكان لا تجعلهم يفكرون في المقاومة فتساقطت مدن بيروت، وصيدا، ونابلس، واللد، وحلب، وإنطاكية وكانت قيسارية آخر مدن الشام فتحاً على يد معاوية بن أبي سفيان وكان ذلك بعد فتح القدس([26]).



.

سابعاً: فتح القدس: 16هـ:

كان على فلسطين قائدٌ رومانيٌ دعى (الأرطبون) أي القائد الكبير الذي يلي الإمبراطور وكان هذا أدهى الروم وأبعدها غوراً وأنكاها فعلاً، وكان قد وضع بالرملة جنداً عظيماً، وبإيلياء جنداً عظيماً([27])، وكتب عمرو بن العاص إلى عمر رضي الله عنهما، يخبره بذلك، ويستشيره ويستأمره، فقال عمر كلمته الشهيرة: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج ([28]) وكان يقصد بذلك، أن كلا القائدين أدهى الرجال في قومهما، وكانت معركة أجنادين الثانية (15هـ) التي انتصر فيها عمرو على الروم قد مهدت الطريق إلى فلسطين([29])، وقد بدأت معركة القدس عملياً، قبل معركة أجنادين الثانية (15هـ) ذلك أن أرطبون الروم كان قد وزع (جنداً عظيماً) له في كل من إيلياء والرملة كما سبق أن قدمنا وبين الرملة وإيلياء أي القدس، ثمانية عشر ميلاً، وذلك تحسباً لأي هجوم من قبل المسلمين، بقيادة عمرو بن العاص، على المدينتين اللتين كانتا أهم مدن (كورة فلسطين)، إذ كانت الرملة (قصبة فلسطين)، وكانت إيلياء أكبر مدنها([30])، وكان على الروم في إيليا حاكمها الأرطبون وهو الأرطبون نفسه الذي كان قد لجأ وفلول جيشه إليها بعد هزيمتهم في أجنادين، وكان عليهم في الرملة التذارق([31]) وهذه أهم المراحل التي مرّ بها المسلمون عند فتحهم للقدس.



.

1- المشاغلة:

كانت خطة الخليفة عمر أن يشغل الروم عن عمرو في فلسطين ريثما يتم الانتصار على حشودهم في أجنادين، حتى يتفرغ المسلمون بعدها لفتح القدس وما تبقى من بلاد الشام، فأمر معاوية أن يتوجه بخيله إلى قيسارية ليشغل حاميتها عن عمرو وأما عمرو فكان قد اعتمد الخطة نفسها التي اعتمدها الخليفة، فأرسل كلاً من علقمة بن حكيم الفراسيّ، ومسروق بن فلان المكيّ على رأس قوة لمشاغلة حامية الروم في إيلياء، فصاروا بإزاء أهل إيلياء، فشغلوهم عن عمرو([32])، ثم أرسل أبا أيوب المالكي على رأس قوة أخرى لمشاغلة حاميتهم في الرملة، وما إن وصلت الإمدادات إلى عمرو حتى أرسل محمد بن عمرو مع مدد لقواته المرابطة في مواجهة حامية إيلياء، كما أرسل عمارة بن عمرو بن أمية الضمري مع مدد لقواته المرابطة في مواجهة حامية الرملة، أما هو فأقام في أجنادين بانتظار المعركة الحاسمة مع الأرطبون وفي هذه الأثناء كانت حامية إيلياء تصد المسلمين عن أسوارها، وكان القتال يستعر حول المدينة المقدسة بينما كان المسلمون والروم يحتشدون للقتال في أجنادين وكانت معركة أجنادين عنيفة([33])، إذ يقول الطبري فيها: اقتتلوا – أي المسلمون والروم – قتالاً شديداً كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم([34])، فقد نازل أرطبون العرب أرطبون الروم في أجنادين فهزمه، وارتدّ أرطبون الروم وجنده ليحتموا بأسوار المدينة المقدسة فأفرج له المسلمون حتى دخلها([35])، ويذكر الطبري أن كلاً من علقمة ومسروق ومحمد بن عمرو وأبي أيوب التحقوا بعمرو في أجنادين، وسار عمرو بجيشه جميعاً نحو إيلياء لمحاصرتها([36]).

اجتمع المسلمون، بقيادة عمرو بن العاص حول إيلياء، وضرب عمرو على المدينة حصاراً شديداً، وكانت المدينة حصينة ومنيعة، ويصف الواقدي أسوار المدينة بأنها كانت محصنة بالمجانيق والطوارق والسيوف والدرق والجواشن والزرد الفاخرة ويذكر أن القتال بدأ بعد ثلاثة أيام من الحصار، حيث تقدم المسلمون نحو أسوار المدينة فأمطرتهم حاميتها بوابل من السهام والنبال التي كان المسلمون يتلقونها (بدرقهم) وكان القتال يمتد من الصباح إلى غروب الشمس واستمر على هذا المنوال عدة أيام، حتى كان اليوم الحادي عشر إذ أقبل أبو عبيدة على المسلمين ومعه خالد وعبد الرحمن بن أبي بكر، ومعهم فرسان المسلمين وأبطال الموحدين([37]) مما ألقى الجزع في قلوب أهل إيلياء، واستمر الحصار أربعة اشهر، ما من يوم إلا وجرى فيه قتال شديد (والمسلمون صابرون على البرد والثلج والمطر([38])، إلى أن يئس الروم من مقاومة حصار المسلمين لمدينتهم، فقرر بطريقهم (البطريق صفرونيوس) القيام بمحاولة أخيرة، وكتب إلى عمرو بن العاص، قائد جيش المسلمين، رسالة يغريه فيها بفك الحصار نظراً لاستحالة احتلال المدينة([39]).



.

3- الاستسلام :

كتب أرطبون الروم إلى عمرو بن العاص يقول له: إنك صديقي ونظيري، أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئاً بعد أجنادين، فارجع ولاتُغرِه فتلقى ما لقي الذين قبلك من الهزيمة([40])، فكتب إليه عمرو كتاباً يقول فيه إنه (صاحب فتح هذه البلاد)، وأرسل الكتاب مع رسول وأمره أن ينقل إليه رد الأرطبون، فلما قرأ الأرطبون كتاب عمرو ضحك مما جاء فيه وقال إن صاحب فتح بيت المقدس هو رجل اسمه (عمر)، ونقل الرسول إلى عمرو ما سمعه من الأرطبون، فعرف عمرو أن الرجل الذي يعنيه الأرطبون هو الخليفة([41])، فكتب إلى الخليفة يخبره بما جاء على لسان الأرطبون أنه لا يفتح المدينة إلا هو، ويستمده، ويستشيره قائلاً إني أعالج حرباً كؤوداً صدوماً وبلاداً ادُّخرت لك، فرأيك([42])، فخرج الخليفة – بعد الاستشارة – في مدد من الجند، إلى الشام، بعد أن استخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونزل بالجابية، فجاءه أهل إيلياء (فصالحوه على الجزية، وفتحوها له) ([43]).


.


4- اختلاف الروايات فيمن حاصر القدس والتحقيق فيها:

روى الطبري أكثر من رواية في حصار القدس وقد ذكرت أن الذي حاصرها هو عمرو بن العاص وذكر رواية أخرى قال فيها: كان سبب قدوم عمر إلى الشام، أن أبا عبيدة حضر بيت المقدس، فطلبت أهلها منه أن يصالحهم على صلح مدن أهل الشام، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب، فكتب إليه ذلك، فسار عن المدينة بعد أن استخلف عليها (علياً)، وخرج (ممداً لهم) أي لعسكر الشام ويروي ابن الأثير روايتين مماثلتين لروايتي الطبري، بل متشابهتين في النص إلى حد كبير([44])، وينسب الواقدي حصار القدس وما جرى خلاله من تشاور مع الخليفة عمر رضي الله عنه ومن تفاوض مع حاميتها الرومية، إلى أبي عبيدة، فيذكر أن أبا عبيدة سرّح إلى بيت المقدس خمسة وثلاثين ألف مقاتل بقيادة سبعة قادة، مع كل قائد خمسة آلاف، وهم: خالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، والمرقال بن هاشم بن أبي وقاص، والمسيّب بن نجيه الفزاري، وقيس بن هبيرة المرادي، وعروة بن المهلل بن يزيد، سرّحهم في سبعة أيام، كل يوم قائد، ثم لحق بهم بعد أن نشب القتال، عدة أيام، بينهم وبين حامية المدينة([45])، ويستطرد الواقدي فيقول إن أهل إيلياء جاءوا إلى أبي عبيدة يعرضون عليه دخول المدينة صلحاً، على أن يتم الصلح على يدي خليفة المسلمين عمر، ثم يذكر رواية مشابهة لتلك التي رواها كل من الطبري وابن الأثير ويضيف أن أبا عبيدة كتب إلى الخليفة يخبره بما جرى، فسار الخليفة إلى بيت المقدس ونزل عند أسوار المدينة، فخرج إليه بطريقها وتعرف إليه وقال: هذا والله الذي نجد صفته ونعته في كتبنا ومن يكون فتح بلادنا على يديه([46]). ثم عاد إلى قومه يخبرهم فخرجوا مسرعين وكانوا قد ضاقت أنفسهم من الحصار، ففتحوا الباب، وخرجوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه العهد والميثاق والذمة ويقرون له بالجزية([47])، ونحن نستبعد رواية الواقدي هذه، لاعتقادنا أنه، بينما كان عمرو بن العاص يحاصر القدس، كان رفاقه من قادة المسلمين، بعد اليرموك ودمشق وفحل، يجوبون أنحاء بلاد الشام غانمين منتصرين، فيحتل
أبو عبيدة، ومعه خالد بن الوليد، حمص وحماة وقنسرين وحلب، ثم يسلك طريق الساحل الشامي جنوباً فيستولي على إنطاكية واللاذقية وعرقة. ويحتل يزيد بن
أبي سفيان الساحل، جنوباً من بيروت إلى صيدا، وشمالا من عسقلان إلى صور([48])، ولكن البلاذري يذكر، في رواية له، أن عمرو بن العاص هو الذي حاصر القدس، بعد أن فتح رفح، وأن أبا عبيدة (قدم عليه.. بعد أن فتح قنسرين ونواحيها وذلك في سنة 16، وهو محاصر إيلياء، وإيلياء مدينة بيت المقدس([49])، وأن أهل إيلياء طلبوا من أبي عبيدة (الأمان والصلح على مثل ما صولح عليه أهل مدن الشام) على أن يتولى العقد لهم عمر بن الخطاب نفسه، وقد كتب أبو عبيدة إلى الخليفة بذلك، فقدم عمر فنزل الجابية من دمشق، ثم صار إلى إيلياء، فأنفذ صلح أهلها وكتب به، وكان فتح إيلياء في سنة 17هـ، ويضيف البلاذري بعد ذلك: وقد روي في فتح إيلياء وجه آخر([50])، ومع أننا نرجح الرواية الأولى التي أوردها الطبري وهي أن حصار القدس تمّ على يد عمرو بن العاص، وليس على يد
أبي عبيدة فنحن نرى أنه لم يكن صعباً على أبي عبيدة أن يلتحق بالخليفة عمر في الجابية للتشاور معه حول أمور الفتح باعتباره القائد العام لجيوش المسلمين في الشام، وخصوصاً عندما نعلم أن أبا عبيدة كان ثاني من لقي بعد الخليفة يزيد حين وصوله إلى الجابية واستدعائه لسائر أمراء الأجناد في الشام([51])، للتشاور، وأن
أبا عبيدة حضر، مع يزيد وشرحبيل وكبار قادة المسلمين في الشام، عقد الصلح والأمان، وتسليم المدينة([52]). إلا أنه لم يشهد على هذا العقد كما شهد عليه كل من عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وخالد بن الوليد كما يستدل من نص المعاهدة نفسها وليس لدينا أي تفسير لذلك سوى أن
أبا عبيدة لم يكن قائد الجيش الذي حاصر المدينة المستسلمة، بل هو عمرو([53]).


.


5- نص المعاهدة:

وفيما يلي نص المعاهدة كما أوردها الطبري:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيّزها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم ولا يُضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود وعلى أهل إيلياء أن يُعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يُخرجوا منها الروم واللصوت (اللصوص) فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلّي بِيَعهم وصُلُبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعهم وصُلُبهم، حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان؛ فمن شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية، شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وكتب وحضر سنة خمس عشر([54]).


.



رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ Arsalan على المشاركة المفيدة:
قديم 07-05-2012, 11:47 PM   رقم المشاركة : 3
Arsalan
عضو نشيط






 

الحالة
Arsalan غير متواجد حالياً

 
Arsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريبArsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريب

التميز في القسم الإسلامي عضو متميز 

شكراً: 192
تم شكره 741 مرة في 171 مشاركة

 
افتراضي رد: ●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السابع || ~ ‏





.

· أهم الدروس والعبر والفوائد:

أ- موقف فدائي لواثلة بن الأسقع رضي الله عنه: قال واثلة: .. فأسمع صرير باب الجابية – وهو واحد من أبواب دمشق – فمكثت فإذا بخيل عظيمة فأمهلتها، ثم حملت عليهم وكبّرت فظنوا أنهم أحيط بهم، فانهزموا إلى البلد، وأسلموا عظيمهم – يعني قائدهم – فدعسته بالرمح وألقيته عن برذونه، وضربت يدي على عنان البرذون وركضت، والتفتوا فلما رأوني وحدي تبعوني فدعست فارساً بالرمح فقتلته، ثم دنا آخر فقتلته، ثم جئت خالد بن الوليد فأخبرته وإذا عنده عظيم من الروم يلتمس الأمان لأهل دمشق([55]).


.

ب- سفارة معاذ بن جبل إلى الروم قبيل (موقعة فحل):

بعد مناوشات بين المسلمين والروم، قبيل موقعة فحل، أرسل الروم إلى المسلمين أن ابعثوا إلينا رجلاً، نسأله عما تريدون وما تسألونه وما تدعون إليه ونخبره بما نريد. فأرسل إليهم أبو عبيدة معاذ بن جبل الأنصاري مفاوضاً وسفيراً عن المسلمين، فاستعد الروم لاستقباله، وأظهروا أجمل ما عندهم من الزينة، وأنفذ ما عندهم من الأسلحة: وفرشوا الأرض بأثمن البسط والنمارق التي تكاد تخطف الأبصار، ليفتنوا معاذا عما جاء له أو يرهبوه ويفتوا في عضده ففاجأهم بتعاليه عن زينتهم، ورفضه لكل أشكال المغريات، وبشدة تواضعه وزهده، بل اغتنم ذلك الموقف لاستخدامه سلاحاً ضد الروم، فأمسك بعنان فرسه، وأبى أن يعطيه لغلام من الروم،
وأبى الجلوس على ما أعدوه لاستقباله وقال لهم لا أجلس على هذه النمارق التي استأثرتم بها على ضعفائكم.. وجلس على الأرض.. وقال إنما أنا عبد من عباد الله أجلس على بساط الله، ولا أستأثر بشيء من مال الله على إخواني([56])، ودار بينهم حوار سألوه فيه عن الإسلام فأجابهم، وسألوه عن نبي الله عيسى عليه السلام فقرأ عليه قوله تعالى:} إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59) { (آل عمران،،آية:59).وأوضح لهم ما يريد منهم المسلمون، وقرأ عليهم قوله تعالى: } يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً { (التوبة،آية:123). وقالوا له إن سبب انتصار المسلمين على الفرس هو موت ملكهم، وإن ملك الروم حي وجنوده لا تحصى، فقال لهم إن كان ملككم هرقل، فإن ملكنا الله وأميرنا رجل منا، إن عمل فينا بكتاب الله وسنة نبينا أقررناه، وإن غير عزلناه، ولا يحتجب عنا ولا يتكبر ولا يستأثر علينا([57])، وأما عن كثرتهم فقد قرأ عليهم قوله تعالى: } كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(249) { (البقرة،آية:249). ولما فشل الروم في التأثير في معاذ أو النيل منه، فيما أعدوه من بهارج وخيلاء، عادوا إلى الواقع يعرضون عليه الصلح، وأن يعطوا المسلمين البلقاء وما والاها فأعلمهم معاذاً أنه ليس أمامهم إلا الإسلام أو الجزية، أو الحرب، فغضبوا وقالوا اذهب إلى أصحابك، إنا لنرجو أن نقرنكم في الحبال. فقال معاذ: أما الحبال فلا، ولكن والله لتقتلننا عن آخرنا أو لنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون، ثم انصرف([58])، وهكذا ظهر معاذ في هذه السفارة شخصية سياسية عسكرية، وداعية إلى الإسلام يواجه حجج خصومه، ويوجه إليهم النقد اللاذع، مظهراً عيوبهم واستئثارهم على رعيتهم، ويذكرهم بتعاليم دينهم، ويدعوهم إلى الإسلام، أما تهويلهم وحربهم النفسية فيرد عليها بالواقع

لا بالتهويل والتخويف، ثم يعود إلى قيادته التي أقرت كل ما قام به وما قاله للروم([59])، وقد كان المسلمون يدعون خصومهم للإسلام قبل القتال.


.

ج- موقف لعبادة بن الصامت في فتح قيسارِية:

كان عبادة بن الصامت على ميمنة جيش المسلمين في حصار قيسارية، فقام رضي الله عنه بوعظ جنده ودعاهم إلى تفقد أنفسهم، والحيطة من المعاصي ثم قاد هجوماً قتل فيه كثيراً من الروم، لكنه لم يتمكن من تحقيق هدفه، فعاد إلى موقعه الذي انطلق منه، فحرض أصحابه على القتال، وأبدى لهم استغرابه الشديد لعدم تحقيق أهداف ذلك الهجوم فقال: يا أهل الإسلام إني كنت من أحدث النقباء سناً وأبعدهم أجلاً وقد قضى الله أن أبقاني حتى قاتلت هذا العدو معكم.. والذي نفسي بيده ما حملت قط في جماعة من المؤمنين على جماعة من المشركين، إلا خلوا لنا الساحة وأعطانا الله عليهم الظفر فما بالكم حملتم على هؤلاء فلم تزيلوهم؟([60]) ثم بين لهم ما يخشاه منهم فقال: إني والله لخائف عليكم خصلتين، أن تكونوا قد غُللتم، أولم تناصحوا الله في حملتكم عليهم([61])، وحث أصحابه على طلب الشهادة بصدق، وأعلمهم أنه سيكون في مقدمتهم وأنه لن يعود إلى مكانه، إلا أن يفتح الله عليه أو يرزقه الشهادة([62])، فلما التحم المسلمون والروم، ترجل عبادة عن جواده، وأخذ راجلاً فلما رآه عمير بن سعد الأنصاري نادى المسلمين يعلمهم بما فعل أميرهم ويدعوهم إلى الاقتداء به فقاتلوا الروم حتى هزموهم و(أحجروهم في حصنهم) ([63]).



.

د- أم حكيم بنت الحارث بن هشام في معركة مرج الصُّفر:

كانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل فقتل عنها في معارك الشام([64])، فاعتدت أربعة أشهر وعشراً، وكان يزيد بن أبي سفيان يخطبها، وكان خالد بن سعيد يرسل إليها يعرض لها في خطبتها، فخطبت إلى خالد بن سعيد، فتزوجها، فلما نزل المسلمون مرج صفر–وكان خالد قد شهد أجنادين وفِحل ومرج الصفر– أراد أن يعرّس بأم حكيم فجعلت تقول: لو أخرت الدخول حتى يفضّى الله هذه الجموع، فقال خالد: إن نفسي تحدثني أني أصاب في جموعهم. قالت: فدونك، فأعرس بها عند القنطرة التي بالصفر، فبها سميت قنطرة أم حكيم، وأولم عليها، فدعا أصحابه إلى طعام، فما فرغوا من الطعام حتى صفت الروم صفوفها وبرز خالد بن سعيد فقاتل فقتل وشدت أم حكيم عليها ثيابها وتبدت، وإن عليها أثر الخلوق فاقتتلوا أشد القتال على النهر، وصبر الفريقان جميعاً، وأخذ السيوف بعضها بعضاً، وقتلت أم حكيم يومئذ سبعة بعمود الفسطاط الذي بات فيه خالد معرساً بها([65]).


.


هـ- قيصر ملك الروم يودع الشام :

في السنة الخامسة عشرة تقهقر هرقل بجنوده، وارتحل عن الشام إلى بلاد الروم([66]) وقيل في سنة ست عشرة([67])، وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول: عليك السلام يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطراً وهو عائد؛ فلما عزم على الرحيل من الشام وبلغ الرُّها([68])، طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم فقالوا: إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك، فتركهم؛ فلما وصل إلى شِمْشَاط([69]) وعلا على شرف هنالك التفت إلى نحو بيت المقدس وقال: عليك السلام يا سورية سلاماً لا اجتماع بعده([70])، ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية واستقر بها ملكه، وقد سأل رجلاً ممن اتبعه، كان قد أُسِرَ مع المسلمين، فقال أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم. هم فرسان بالنهار ورهبان بالليل، ما يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقضون على من حاربوه حتى يأتوا عليه، فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين([71]).


.

و- إن الله أعزَّكم بالإسلام:

لما قدم عمر رضي الله عنه الشام راكباً على حماره ورجلاه من جانب قال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، الآن يتلقاك عظماء الناس فقال عمر رضي الله عنه: إن الله أعزّكم بالإسلام، فمهما طلبتم العزّ في غيره أذلكم([72]).


.

ز- من خطبته بالجابية لما وصل الشام:

خطب عمر رضي الله عنه بالجابية، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مثل مقامي هذا فقال: أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئُ قوم يحلف أحدهم على اليمين قبل أن يُسْتَحْلَف عليها، ويشهد على الشهادة قبل أن يُستشهد، فمن أحب منكم أن ينال بُحْبُوحة الجنة، فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان، ومن كان منكم تسرُّه حسنته وتسوؤه سيئته فهو مؤمن([73]).


.

ح- غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة:

لما قدم عمر الشام قال لأبي عبيدة رضي الله عنه: اذهب بنا إلى منزلك، قال:
وما تصنع عندي؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك عليّ، قال: فدخل فلم ير شيئاً، قال: أين متاعك؟ لا أرى إلا لَبَداً وصحفة وشناً([74])، وأنت أمير أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة([75])، فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال له أبو عبيدة: قد قلت لك إنك ستعصر عينيك عليّ، يا أمير المؤمنين يكفيك ما يُبلغُك المقيل، قال عمر: غيَّرتنا الدنيا كلّنا غيرك يا أبا عبيدة([76]) وعلق الذهبي على هذه الحادثة فقال: وهذا والله هو الزهد الخالص لا زهد من كان فقيراً معدماً([77])، وجاء في رواية عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قدم عمر –رضي الله عنه- الشام، فتلقاه أمراء الأجناد، وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: أين أخي؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة بن الجراح، قالوا: يأتيك الآن، فجاء على ناقة مخطومة بحبل فسلم، عليه، فسأله ثم قال للناس: انصرفوا عنا فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه، وترسه، ورحله([78])…


.

ط- تعليق على نص معاهدة أهل بيت المقدس:

إن كتاب الصلح الذي أبرمه عمر رضي الله عنه يشهد شهادة حق بأن الإسلام دين تسامح وليس دين إكراه وهو شاهد عدل بأن المسلمين عاملوا النصارى الموجودين في القدس معاملة لم تخطر على بالهم إن عمر وهو الفاتح كان يستطيع أن يفرض عليهم ما يشاء، وأن يجبرهم على ما يريد، ولكنه لم يفعل لأنه كان يمثل الإسلام، والإسلام لا يكره أحداً على الدخول فيه ولا يقبل من أحد إيماناً إلا عن طواعية وإذعان، إن الإيمان ليس شيئاً يجبر عليه الناس لأنه من عمل القلوب، والقلوب لا يعلم مخبآتها إلا الله سبحانه فقد يريك الإنسان أنه مؤمن وليس كذلك وتكون مضرته لأهل الإيمان أكثر ممن يجاهرون بالكفر والإلحاد ولهذا آثر المسلمون أن يعطوا الناس حرية العبادة، ويؤمنوهم على كل عزيز لديهم على أن يعيشوا في كنف المسلمين، ويؤدوا الجزية مقابل حمايتهم والذود عنهم، وفي ظلال الحياة الهادئة الوديعة وفي رحاب الصلات والجوار، وفي كنف المسلمين وعدالتهم سيرى غير المسلمين عن قرب جمال الإسلام وسماحته وإنصافه وعدالته وسَيَرون فيه الحقائق التي قد عميت عليهم لبعدهم عنه، وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجاً كما حدث في كل البلاد التي فتحها المسلمون، وأعطوا أهلها مثل هذا الأمان([79]).


.

ي- عمر رضي الله عنه يصلي في المسجد الأقصى:

قال أبو سلمة حدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن اخذت عنّي، صليت خلف الصخرة فكانت القدس كلُّها بين يديك، فقال عمر: ضاهيت اليهودية،
لا ولكن أصلي حيث صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتقدم إلى القبلة فصلّى، ثم جاء فبسط ردائه فكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس([80]) وقال ابن تيمية: المسجد الأقصى اسم لجميع المسجد.. وقد صار بعض الناس يسمي الأقصى المصلّى الذي بناه عمر بن الخطاب في مُقَدّمه، والصلاة في هذا المصلى الذي بناه عمر للمسلمين، أفضل من الصلاة في سائر المسجد، فإن عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس، وكان على الصخرة زبالة عظيمة، لأنَّ النصارى كانوا يقصدون إهانتها، مقابلة لليهود الذي يصلّون إليها، فأمر عمر بإزالة النجاسة عنها. وقال كعب: أين ترى أن نبني مصلى للمسلمين؛ فقال: خَلْفَ الصخرة، فقال: يا ابن اليهودية: خالطت اليهودية بل أبنيه أمامها، فإنّ لنا صدور المساجد([81]).

وهذا موقف آخر جليل وعظيم من مواقف أمير المؤمنين التي لا تحصى، والتي برهن فيها عملياً على أن الإسلام يحترم جميع الأديان السماوية ويجعل كل المقدسات محترمة ولا يختصر شيئاً منها، إن هذه الصخرة التي أزال عنها عمر التراب والأوساخ بيده وحملها في قبائه لينفيها عنها هي قبلة اليهود والصخرة المعظمة عندهم التي كلم الله عليها يعقوب عليه السلام كما يعتقدون، فكما كان موقف عمر من النصارى رائعاً وجليلاً حين منحهم حرية الاعتقاد وأمنهم على صلبانهم وكنائسهم لم يضن على اليهود مع ما ارتكبوه في حق المسلمين من الجرائم بمثل هذا الموقف الرائع الجليل، حيث رفع التراب عن الصخرة، وأظهر عنايته بها وحرصه على احترامها([82]).


.


- محاولة الرومان احتلال حمص من جديد:

قدمت عيون أبي عبيدة فأخبروه بجمع الروم وخطاب هرقل فيهم وسيرهم إليه، ورأى أبو عبيدة ألا يكتم جنوده الخبر، فدعا رؤوس المسلمين وذوي الهيئة والصلاح منهم ليستشيرهم ويسمع رأي جماعتهم([83])، فكان رأي معاذ بن جبل الأنصاري، عدم الانسحاب وقال: هل يلتمس الروم من عدوهم أمراً أضر لهم مما تريدون بأنفسكم تخلون لهم عن أرض قد فتحها الله عليكم، وقتل فيها صناديدهم وأهلك جنودهم.. أما والله لئن أردتم دخولها بعد الخروج منها لَتُكابدنَّ من ذلك مشقة فقال أبو عبيدة صدق والله وبرّ([84])، ولكن الأحداث سارت على غير هذا الاتجاه، فأعاد المسلمون ما جبوه من أهل حمص فقد أمر أبو عبيدة حبيب بن مسلمة وقال له: اردد على القوم الذين كنا صالحناهم من أهل البلد، ما كنا أخذنا منهم، فإنه لا ينبغي لنا إذ لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئاً، وقال لهم نحن على ما كنا عليه فيما بيننا وبينكم من الصلح لا نرجع فيه إلا أن ترجعوا عنه، وإنما رددنا عليكم أموالكم أنا كرهنا أن نأخذ بأموالكم ولا نمنع بلادكم، ولكنا نتنحى إلى بعض الأراضي ونبعث إلى إخواننا فيقدموا علينا ثم نلقي عدونا فنقاتلهم فإن أظفرنا الله بهم وفينا لكم بعهدكم إلا أن لا تطلبوا ذلك وأصبح الصباح فأمر
أبو عبيدة برحيل جيش المسلمين إلى دمشق، واستدعى حبيب بن مسلمة القوم الذين كانوا أخذ منهم الجزية فرد عليهم مالهم وأخبرهم بما قال أبو عبيدة، وأخذ أهل حمص يقولون: ردكم الله إلينا ولعن الله الذين كانوا يملكوننا من الروم، ولكن والله لو كانوا هم ما ردوا علينا بل غصبونا وأخذوا ما قدروا عليه من أموالنا، لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم([85]).

وأرسل أبو عبيدة سفيان بن عوف إلى عمر ليلة غدا من حمص إلى دمشق، وقال إئت أمير المؤمنين فأبلغه عني السلام، وأخبره بما قد رأيت وعاينت وبما قد جاءتنا به العيون، وبما استقر عندك من كثرة العدو، وبالذي رأى المسلمون من التنحي عنهم، وكتب معه: أما بعد، فإن عيوني قدمت عليّ من أرض عدونا، من القرية التي فيها ملك الروم، فحدثوني بأن الروم قد توجهوا إلينا وجمعوا لنا من الجموع ما لم يجمعوه لأمة قط كانت قبلنا، وقد دعوت المسلمين وأخبرتهم الخبر واستشرتهم في الرأي، فأجمع رأيهم على أن يتنحوا عنهم حتى يأتينا رأيك، وقد بعثت إليك رجلاً عنده علم ما قبلنا فسله عما بدا لك فإنه بذلك عليم وهو عندنا أمين، ونستعين بالله العزيز العليم وهو حسبنا ونعم الوكيل([86]).



.

- الخطة الحربية البديعة التي رسمها عمر رضي الله عنه لنجدة أبي عبيدة رضي الله عنه:

لما بلغ الخبر عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه: أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو، وسرِّحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص، فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وكان عمر قد أعد خيولاً احتياطية في كل بلد استعداداً للحروب المفاجئة، فكان في الكوفة أربعة آلاف فرس، فجهز سعد عليها الجيش الذي أرسله إلى الشام، وكتب عمر أيضاً إلى سعد: أن سرِّح سهيل بن عدي إلى الجزيرة في الجند، ولْيَأت (الرَّقَّة)، فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص، وإن أهل (قَرْقِيسياء) لهم سلف، وسرّح عبد الله بن عبد الله بن عتبان إلى (نصيبين) فإن أهل قرقيسياء لهم سلف ثم لينْفُضا([87]) حرَّان والرَّها، وسرِّح الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ، وسرح عياضاً، فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعاً إلى عياض بن غَنْم، فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب نحو حمص، وخرج عياض بن غنم وأمراء الجزيرة فأخذوا طريقهم نحو الأهداف التي وجهوا إليها، وخرج أمير المؤمنين عمر من المدينة مغيثاً لأبي عبيدة يريد حمص حتى نزل الجابية وعلم أهل الجزيرة الذين اشتركوا مع الروم في حصار أهل حمص بخروج الجيوش من العراق، ولا يدرون هل مقصدهم حمص أم بلادهم في الجزيرة فتفرقوا إلى بلدانهم وإخوانهم، وتركوا الروم يواجهون المعركة وحدهم ولما رأى أبو عبيدة أن أنصار الروم من أهل الجزيرة قد انفضوا عنهم، استشار خالداً في الخروج إليهم وقتالهم فأشار عليه بذلك، فخرجوا إليهم وقاتلوهم وفتح الله عليهم، وقدم القعقاع بن عمرو ومن معه من أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من المعركة وقدم أمير المؤمنين بالجابية، فكتبوا إليه بالفتح وبقدوم المدد عليهم بعد ثلاثة أيام من الفتح وبالحكم في ذلك، فكتب إليهم أن شركوهم فإنهم قد نفروا لكم وقد تفرق لهم عدوكم([88])، وقال: جزى الله أهل الكوفة خيراً يكفون حوزتهم ويُمِدّون أهل الأمصار([89]).

حينما نتأمل هذه الخطة الحربية البديعة التي رسمها عمر رضي الله عنه لإرباك الأعداء وتفريقهم نرى عبقرية الفاروق العسكرية، فقد أمر ببعث جيش سريع من الكوفة إلى حمص ليقوم بعملية الإنقاذ وخرج هو بجيش من المدينة، وهذا كله يبدو أمراً معتاداً، ولكن الأمر الذي يثير الإعجاب هو ما قام به من الأمر ببعث الجيوش إلى بلاد المحاربين ليضطرهم إلى ترك ميدان القتال والتفرق إلى بلادهم لحمايتها، وقد نجحت هذه الخطة حيث تفرقوا فهان على المسلمين القضاء على الروم([90]).

.



رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ Arsalan على المشاركة المفيدة:
قديم 07-05-2012, 11:48 PM   رقم المشاركة : 4
Arsalan
عضو نشيط






 

الحالة
Arsalan غير متواجد حالياً

 
Arsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريبArsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريب

التميز في القسم الإسلامي عضو متميز 

شكراً: 192
تم شكره 741 مرة في 171 مشاركة

 
افتراضي رد: ●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السابع || ~ ‏





.


· فتح الجزيرة: 17هـ:

تقدم لنا أن الروم وأهل بلاد الجزيرة أغاروا على مدينة حمص وحصروا فيها
أبا عبيدة رضي الله عنه والمسلمين وأن عمر رضي الله عنه أرسل إلى سعد بن
أبي وقاص رضي الله عنه يأمره بإمداد أهل حمص بجيش يخرج من الكوفة إلى حمص، وجيوش تخرج إلى الجزيرة وقد أرسل سعد جيشاً من الكوفة بقيادة القعقاع بن عمرو التميمي، وأرسل جيوشاً إلى الجزيرة وكلها تحت قيادة عياض بن غنم رضي الله عنه، فخرجَت هذه الجيوش إلى الجزيرة فسلك سهيل بن عدي وجنده طريق الفراض حتى انتهى إلى الرَّقًّة فحاصرهم، فنظروا إلى أنفسهم بين قوتين للمسلمين في العراق والشام فصالحوهم، وسلك عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان طريق دجلة حتى انتهى إلى نصيبين فلقيه أهلها بالصلح كما صنع أهل الرقة، ولما أعطى أهل الرقة ونصيبين الطاعة ضم عياض سهيلاً وعبد الله إليه وسار بالناس إلى حران فأخذ ما دونها، فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية فقبل منهم، ثمّ سرَّح عبدالله وسهيلاً إلى الرُّها فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية وهكذا فتحت الجزيرة كلها على سعتها صلحاً، فكانت أسهل البلدان أمراً([91]).


.

المبحث الثاني: فتوحات مصر وليبيا:

كانت دوافع فتح مصر عند المسلمين قوية، فهناك العقيدة التي يريدون التمكين لها في كل مكان، ومصر تتصل بفلسطين فمن الطبيعي بعد فتح فلسطين أن يتجه المسلمون إلى مصر، وقد قسم المسلمون الإمبراطورية البيزنطية إلى قسمين لا يصل بينهما سوى البحر وذلك باستيلائهم على الشام، وفي مصر وشمال أفريقية جيوش ومسالح رومية، ولبيزنطة أسطول قوي في البحر، ولن يأمن المسلمون في الشام ومصر تحت النفوذ الروماني، ومصر غنية، وهي مصدر لتموين القسطنطينية فإذا فتحها المسلمون ضعف نفوذ بيزنطية كثيراً وأمن المسلمون في الشام والحجاز حيث يسهل اتصال الروم بالحجاز عن طريق مصر([92]) ومن العوامل أيضاً أن (القبط) أنفسهم يعانون من اضطهاد الروم، وأن هؤلاء لا يعيشون في مصر إلا بمثابة حاميات عسكرية، فلماذا لا تنتهز هذه الفرصة خاصة أن عدل المسلمين لابد أن يكون قد سبقهم إلى مصر([93])، أما الحامية نفسها فإن الرعب([94]) لابد أن يكون قد تملّكها حينما رأت ملكها هرقل يترك بلاد الشام لتصير جزءاً من الدولة الإسلامية كل هذا كان يدركه عمرو بن العاص وخلص إلى نتيجة وهي: أن الروم في مصر سيكونون عاجزين عن الوقوف في وجه المسلمين بينما لو تركت مصر دون فتح فستظل مصدر تهديد لهم، وهذا ما صرح به عمرو بن العاص نفسه([95]) وبالرغم من تعدد الروايات حول أول من فكر في فتح مصر: عمرو بن العاص أم الخليفة نفسه دون تدخل من عمرو، أم أن الخليفة وافق تحت إلحاح عمرو([96])، بالرغم من ذلك الاختلاف فإن العوامل السابقة كلها تنفي أن تكون خطة فتح مصر هي مجرد خاطرة من عمرو وأن الخليفة غير راضٍ عن ذلك، أو أنهم لم يكن لديهم التصور الكامل عن مصر وأرضها وحجم قوة أعدائهم فيها وقد جاءت الروايات التاريخية تؤيد ما ذهبت إليه فقد بين ابن عبد الحكم: أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص بعد فتح الشام أن أندب الناس إلى المسير معك إلى مصر، فمن خف معك فسر به([97])، وجاء في الطبري: .. أقام عمر بإيلياء بعدما صالح أهلها ودخلها أياماً، فأمضى عمرو بن العاص إلى مصر، وأمّره عليها، إن فتح الله عليه، وبعث في إثره الزبير بن العوام مدداً له ويؤكد هذا تلك الإمدادات التي أرسلها عمر إلى مصر ووصل عددها إلى اثني عشر ألفاً، وكذلك أمره بفتح الإسكندرية دون خلاف في ذلك([98])، فهل من الممكن أن يتوغل عمرو في مصر دون رضاً من الخلافة؟ ونحن نعرف المسلمين قادة وجنوداً كانوا غاية في السمع والطاعة والالتزام ومن ثم نكرر أن فتح مصر لم يكن إلا استجابة لخطة مرسومة سلفاً عند الخليفة وقواده، ولم تكن استجابة لرغبة عابرة([99]).


.

أولاً: مسير الفتح الإسلامي لمصر:

يعتبر فتح مصر المرحلة الثالثة من الفتوحات بالنسبة لمحور الدولة البيزنطية ولقد كانت مسيرة عمرو من فلسطين إلى مصر محاذياً البحر فسار من رفح إلى العريش إلى الفرما واستمر فتحه للقاهرة فالاسكندرية وهذا يدلنا على موهبة عمرو العسكرية حيث سار في هذا الخط ربما لأنه لم يكن للروم ثقل عسكري في هذا الخط كما كان في بلاد الشام وربما لأن الدرب كان معروفاً لعمرو بن العاص، فكان تسلسل الفتح كما هو مرتب فيما يلي مع بيان أوجه الاختلاف والاضطراب حيث لم يخل سير الفتح من اختلاف كما حدث في فتح بلاد الشام([100]).


.

1- فتح الفرما:

تقدم عمرو غرباً ولم يلاق جيشاً رومانياً إلا في (الفرما) أما قبل ذلك فقد قابله المصريون بالترحاب والتهليل، فكان أول موضع قوتل فيه كان في (الفرما) فقد تحصن الروم في المدينة لمواجهة المسلمين، واثقين من قدراتهم على الذود عنها ورد المسلمين بعد أن علموا أن المسلمين الذين جاءوا مع عمرو قلة في العدد والعدة وليس معهم عدة للحصار، عرف عمرو عدد الروم، واستعداداتهم وأنهم يزيدون على جنده أضعافاً، فكانت خطته في الاستيلاء على الفرما هي المهاجمة وفتح الأبواب أو الصبر عليها إلى أن يضطر الجوع أهلها فينزلوا إليها، واشتد حصار المسلمين للمدينة واشتد عناد الروم ودام الحصار شهوراً، وكانت بعض القوات الرومانية تنزل إلى المسلمين بين الحين والآخر لقتالهم فيجهز عليهم المسلمون وكان عمرو يشد أزر المسلمين بكلماته القوية، فمن قوله لهم: يا أهل الإسلام والإيمان، يا حملة القرآن، يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصبروا صبر الرجال واثبتوا بأقدامكم
ولا تزايلوا صفوفكم، واشرعوا الرماح واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله، ولا تحدثوا حدثاً حتى آمركم([101]) وذات يوم خرجت فرقة من الرومان من القرية إلى المسلمين ليقاتلوهم وكانت الغلبة للمسلمين والدائرة على الروم فلاذوا بالفرار إلى القرية، وتبعهم المسلمون، وكانوا أسرع منهم، فملكوا الباب قبل أن يقتحمه الرومان، وكان أول من اقتحم المدينة من المسلمين هو (أسميقع) فكان الفتح المبين، ومما هو جدير بالذكر أن أقباط مصر الذين كانوا بالقرى عاونوا المسلمين ودلوهم على مناطق الضعف وتلقوا المسلمين في (اتميدة) بالترحاب، وبعد تمام احتلال الفرما قام المسلمون بهدم أسوارها وحصونها حتى لا يستفيد منها الروم لو رجعوا إليها لا قدر الله ثم خطب عمرو في الجيش قائلاً: أيها الناس، حمداً لله الذي جعل لجيش المسلمين الغلبة والظفر، والله عظيم حمى بالإسلام ظهورنا، وتكفل به طريق رجوعنا، ولكن إياكم أن تظنوا أن كل ما نرغب فيه قد تحقق، وأن تخدعوا بهذا النصر، فلا يزال الطريق أمامنا وعراً شاقاً والمهمة التي وكلها لنا أمير المؤمنين بعيدة المنال، وعليكم بالصبر والطاعة لرؤسائكم، فسيعلم القوم هنا أننا جنود السلام، لا نبغي فساداً في الأرض بل نصلحها وكونوا خير قدوة للرسول صلى الله عليه وسلم ([102]).

اطمأن عمرو إلى أن المدينة لم تعد صالحة لحماية جيش يأوي إليها، وتفقد جيشه وما فقده في المعركة وتألم لفقد رجال كانوا حريصين على فتح مصر فعاجلتهم المنية، وخشي إن استمرت المعارك على هذا النحو مع وقوع الخسائر في الجيش القليل العدد ألا يستطيع مواصلة الزحف، ولا يتمكن من بلوغ الغاية ولكن الله تعالى قد عوضه عمن فقده فانضم إلى جيشه كثير من رجال القبائل العربية من راشدة ولخم وكانوا يقيمون بجبل الحلال([103])، ومضى عمرو بجيشه لا يلقى شيئاً من المقاومة متجهاً غرباً حتى وصل القواصر (القصاصين) ومن هناك اتجه نحو الجنوب حتى أصبح في وادي الطمبلان بالقرب من التل الكبير ثم اتجه إلى الجنوب حتى نزل بلبيس. قال صاحب النجوم الزاهرة فتقدم عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس([104]).



.

2- فتح بلبيس:

وعند بلبيس برز الروم في قوة كبيرة قاصدين صدّ عمرو عن التوجه نحو حصن بابليون وأرادوا منازلة المسلمين، فقال لهم عمرو رضي الله عنه لا تعجلونا حتى نعذر إليكم وليبرز إليّ أبو مريم وأبو مريام، وعندئذ كفوا عن القتال، وخرج إليه الرجلان، فدعاهما إلى الإسلام أو الجزية، وأخبرهما بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر، بسبب هاجر أم اسماعيل: روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنّكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط([105])، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمّة ورحماً؛ أو قال: ذمة وصهراً([106])، فقالا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء، آمِنّا حتى نرجع إليك. فقال عمرو: مثلي لا يُخدع: ولكني أوجلكما ثلاثاً لتنظرا فقالا: زدنا، فزادهما يوماً، فرجعا إلى المقوقس عظيم القبط([107])، وأرطبون الوالي من قِبَل الروم، فأخبراهما خبر المسلمين، فأما أرطبون فأبى وعزم على الحرب، وبيّت المسلمين، فهزموه هو وجنده إلى الإسكندرية([108])، ومما هو جدير بالذكر، ما يدل على شهامة المسلمين ومروءتهم أنه لما فتح الله على المسلمين (بلبيس) وجدوا فيها ابنة المقوقس واسمها (أرمانوسة) وكانت مقربة من أبيها، وكانت في زيارة لمدينة بلبيس مع خادمتها (بربارة) هرباً من زواجها من قسطنطين ابن هرقل (وهو فيما بعد والد قنسطتز) صاحب موقعة ذات الصواري وكانت غير راغبة في الزواج منه، ولما تمكنت مجموعة من الجيش الإسلامي من أسر أرمانوسة جمع عمرو بن العاص الصحابة وذكرهم بقوله تعالى:} هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلاَّ الإحْسَانُ(60) { (الرحمن،آية:60). ثم قال: لقد أرسل المقوقس هدية إلى نبينا وأرى أن نبعث إليه بابنته وجميع من أسرناهم من جواريها وأتباعها، وما أخذنا من أموالهم، فاستصوبوا رأيه([109])، فأرسلها عمرو إلى أبيها معززة مكرمة ومعها كل مجوهراتها وجواريها ومماليكها وقالت لها خادمتها (بربارة) أثناء سفرهما: يا مولاتي إن العرب يحيطون بنا من كل جانب فقالت أرمانوسة: إني آمن على نفسي وعرضي في خيمة العربي، ولا آمن على نفسي في قصر أبي([110])، ولما وصلت إلى أبيها سُرَّ بها وبتصرف المسلمين معها([111]).




.

3- معركة أم دنين:

ذكر ابن عبد الحكم في روايته أن عمراً مضى بجيشه حتى فتح ((بلبيس)) بعد قتال دام نحواً من شهر، ثم مضى حتى أتى ((أم دنين)) وتسمى المقسس وهي واقعة على النيل فقاتل المسلمون حولها قتالاً شديداً وأرسل عمرو إلى أمير المؤمنين يستمده فأمده أمير المؤمنين بأربعة آلاف رجل على كل ألف منهم رجل يقوم مقام الألف، وهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مُخلَّد، وقيل الرابع خارجة بن حذافة، وقال عمر في كتابه له: اعلم أن معك اثني عشر ألفاً، ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلَّة([112])، وقد خرج الروم مع الأقباط لمواجهة المسلمين، وجرت بينهم معركة حامية استعمل فيها عمرو بن العاص دهاءه الحربي كما صنع خالد بن الوليد في حروب العراق، وذلك أنه جعل جيشه ثلاثة أقسام، حيث أقام كميناً للأعداء في الجبل الأحمر، وأقام كميناً آخر على النيل قريباً من أم دنين، وقابل أعداءه ببقية الجيش، ولما نشب القتال بين الفريقين خرج الكمين الذي في الجبل الأحمر وانقضَّ على الروم فاختل نظامهم وانهزموا إلى أم دنين فقابلهم الكمين الذي بقربها فأصبحوا بين جيوش المسلمين الثلاثة وانهزموا وتفرق جيشهم ولجأ بعضهم إلى حصن بابليون الحصين([113])، وهكذا كسب المسلمون هذه المعركة ووقاهم الله شر أعدائهم بفضله تعالى وذلك بتوفيق قائدهم المحنَّك إلى هذه الخطة المحكمة التي شتت بها قوات الأعداء([114]).



.

4- معركة حصن بابليون:

تقدم عمرو وجيشه إلى حصن بابليون وحاصروه حصاراً محكماً ودام الحصار سبعة أشهر، وأرسل المقوقس خلال ذلك رسله إلى عمرو بن العاص للمصالحة فاستجاب عمرو بن العاص على الشروط: الإسلام أو الجزية أو الحرب فاختار المقوقس الجزية، وكتب المقوقس إلى هرقل يستأذنه في ذلك، فلم يقبل منه بل حنق عليه ولامه لوماً شديداً واستدعاه إلى القسطنطينية ثم نفاه، ولما أبطأ فتح حصن بابليون قال الزبير بن العوام: إني أهب نفسي لله وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين([115])، وراح عمرو بن العاص يحاصر حصن بابليون ثم تسوروا الحصن في الليل واشتبكوا مع الجنود في قتال عنيف وكان أول من تسور الحصن الزبير بن العوام فوضع سلماً من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمر المسلمين إذا سمعوا تكبيره أن يقتحموا الحصن، فما شعروا إلا والزبير بن العوام على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، فكبر تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج الحصن، ولم يشك أهل الحصن أن المسلمين قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا، فعمد حواري رسول الله بأصحابه إلى باب حصن بابليون ففتحوه، واقتحم المسلمون الحصن وفتحوه عنوة، ولكن عمرو بن العاص أمضى الصلح على أن يخرج جند الروم ما يلزمهم من القوت لبضعة أيام، أما حصن بابليون وما فيه من الذخائر وآلات الحرب فتبقى غنيمة للمسلمين ثم خرب أبو عبد الله أبراج الحصن وأسواره([116]).


.

ثانياً: فتح الإسكندرية:

رابط عمرو بن العاص ورجاله عدة أشهر في حصن بابليون ليستجمَّ الجنود ويصله الإذن من أمير المؤمنين عمر بالسير لفتح الإسكندرية، فلما تحقق ذلك ترك عمرو في الحصن مسلحة قوية من المسلمين، وفصل بجنوده من بابليون في مايو سنة 641م، الموافق جمادى الآخرة سنة 21هـ، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط الذين اطمأنوا إلى أن مصلحتهم باتت في مساندة القوة الإسلامية المظفرة، وقد أصلحوا لهم الطرق، وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت لهم القبط أعواناً على ما أرادوا من قتال الروم([117])، وقد آثر عمرو السير على الضفة اليسرى للنيل حيث محافظة البحيرة لتتيح له الصحراء مجالاً واسعاً لحركة خيله وجنوده، وكي يتجنب ما كان سيعترضه من الترع الكثيرة لو سار في دلتا النيل، ولم يلق عمرو إلا قتالاً يسيراً عند مرفوط أو (الطرانة) كما يسميها المؤرخون العرب([118])، ثم عبر النهر إلى الضفة الشرقية حيث تقع مدينة نقيوس الحصينة([119])، وكانت ذات حصن منيع فتخوف عمرو أن يتركها على جانبه ويسير عنها، ولكن الروم بدل أن يتحصنوا من المسلمين في حصنهم ركبوا سفنهم ليحاربوا المسلمين فيها ويمنعوهم من الاقتراب من مدينتهم، فرماهم المسلمون بالنبال والسهام وطاردوهم في المياه، فولوا الأدبار في سفنهم نحو الإسكندرية، وسرعان ما استسلم من بقي في الحصن ودخله المسلمون ظافرين، وأمضوا عدة أيام يستبرئون ما حوله من أعدائهم([120])، وأرسل عمرو قائده شريك بن سُميَّ ليتعقب الروم الفارين، فالتقى بهم وليس معه إلا قوة معدودة، فطمع فيه الروم وأحاطوا به، فاعتصم بهم في نهد من الأرض عُرف فيما بعد بكوم شريك، فأرسل إلى عمرو يطلب الأمداد، وما إن علم الروم أن المدد في الطريق إلى المسلمين حتى لاذوا بالفرار([121])، وعند سُلْطَيْس على ستة أميال جنوبي دمنهور كان اللقاء التالي بين عمرو والروم، وجرى قتال شديد انهزموا فيه وولوا الأدبار([122])، ومما يؤسف له أن هذه المعارك التي خاضها المسلمون بقواتهم المحدودة ضد قوات تفوقهم عدة أضعاف من الروم عدداً وعدة، والتي استمر بعضها عدة أيام لم تظفر من مؤرخي المسلمين سوى بأسطر قليلة أو كلمات معدودة، في حين أفرد بعضهم عشرات الصفحات للحديث عن القادسية أو اليرموك أو نهاوند([123])، ومن هذه المعارك الكبرى التي لا تشفى فيها مصادرنا العربية غليلاً معركة كِرْيون وهي آخر تلك السلسلة من الحصون التي تمتد بين بابليون والإسكندرية وقد تحصن بها تيودرو قائد الجيش الرومي ودار قتال شديد استمر بضعة عشر يوماً، ورغم ذلك فلم يظفر من ابن عبد الحكم سوى بهذه الكلمات: ثم التقوا بكريون، فاقتتلوا بها بضعة عشر يوماً، وكان عبد الله بن عمرو على المقدمة، وحامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو، وصلى (عمرو) يومئذ صلاة الخوف، ثم فتح الله للمسلمين، وقتل منهم المسلمون مقتلة عظيمة واتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية، وفي أثناء ذلك أورد قصة عن بطولة عبد الله بن عمرو ووردان مولى أبيه([124])، وقد كانت الإسكندرية عند فتح المسلمين لها عاصمة البلاد وثانية حواضر الإمبراطورية البيزنطية بعد القسطنطينية، وأول مدينة تجارية في العالم، وكان البيزنطيون يدركون خطورة استيلاء المسلمين عليها ويحملون همّ ذلك، حتى قال هرقل: لئن ظهر العرب على الإسكندرية إن ذلك انقطاع ملك الروم وهلاكهم([125])، وقد زعم الرواة أنه تجهز ليخرج إلى الإسكندرية بنفسه ليباشر قتال المسلمين بها، فلما فرغ من جهازه صرعه الله فأماته، وكفى الله المسلمين مؤنته([126])، واضطربت أمور الدولة البيزنطية بعد موت هرقل إذ تولى الحكم إبناه قسطنطين وهرقل الثاني (هرقليانوس) وشاركتهما الإمبراطورة مارتينة أم هرقليانوس، لكن قسطنطين سرعان ما وافته منيته بعد مائة يوم من وفاة أبيه مما جعل أصابع الاتهام تتجه إلى الإمبراطورة التي كانت ترغب في أن ينفرد ولدها بالحكم، فاشتعلت الثورة ضدها، واستمرت الفتن ضاربة في البلاد عدة أشهر، حتى تولى كونستانس بن قسطنطين الحكم شريكاً لعمه هرقليانوس([127]).

وكانت الإسكندرية فضلاً عن متانة أسوارها وضخامة ووفرة حماتها تمتاز بموقعها الدفاعي المميز فكان البحر يحميها من شمالها؛ حيث السيطرة آنذاك للروم، وكانت بحيرة مريوط تحميها من جنوبها، وكان اجتيازها عسيراً، بل غير مستطاع، وكانت إحدى تفريعات النيل قديماً واسمها نزعة الثعبان تدور حولها من الغرب، وبذلك لم يبق إلا طريق واحد من الشرق يصل إليها؛ وهو الطريق الواصل بينها وبين كرْيون([128]).

وطال الحصار عدة أشهر مما أثار مخاوف عمرو من ملل جنوده أو شعورهم بالعجز أمام عدوهم، فقرر أن يبث كتائبه تجوس خلال بلاد الدلتا وقرى الصعيد، غير أن طول حصار الإسكندرية آثار حفيظة الخليفة عمر، وأثار في نفسه الهواجس والظنون حول استعداد جنوده للتضحية والمبادأة، ورأى أن ذلك ما كان إلا لما أحدثوا([129])، وشرح ذلك في رسالة إلى عمرو بن العاص يقول فيها: (( أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، إنكم تقاتلونهم منذ سنتين ذلك إلا لما أحدثتم، وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قوماً إلا بصدق نيّاتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، (يعني الزبير وصحبه)، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكون غيّرهم ما غيّر غيرهم، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحُضَّهم على قتال عدوهم، ورغِّبهم في الصبر والنية، وقدِّم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومُر الناس جميعاً أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل فيها الرحمة ووقت الإجابة، وليعجّ الناس إلى الله ويسألوه النصر على عدوهم، فلما أتى عمرو الكتاب جمع الناس وقرأه عليهم، ثم دعا أولئك النفر فقدّمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله ويسألوه النصر، ففعلوا ففتح الله عليهم([130])، ويروى أن عمرو بن العاص استشار مسلمة بن مخلد الأنصاري فقال: أشر علي في قتال هؤلاء فقال مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتعقد له على الناس، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيه، فقال عمرو: ومن ذلك؟ قال: عبادة بن الصامت، فدعاه عمرو إليه، فلما دنا منه أراد النزول عن جواده؛ فقال له عمرو: عزمت عليك إن نزلت، ناولني سنان رمحك، فناوله إياه فنزع عمرو عمامته عن رأسه وعقد له وولاه قتال الروم، ففتح الله على يديه الإسكندرية في يومهم ذاك([131])، وقد جاء في رواية: إني فكرت في هذا الأمر فإذا هو لا يصلح آخره إلا من أصلح أوله يريد الأنصار، فدعا عبادة بن الصامت فعقد له ففتح الله على يديه([132])، ويروي ابن عبد الحكم أن حصار الإسكندرية استمر تسعة أشهر وأنها فتحت في مستهل المحرم سنة عشرين للهجرة([133])، وهي ما يوافق 21 ديسمبر سنة 640م بينما انتهى بتلر في دراسته عن فتح مصر إلى أن حصار المدينة قد بدأ في أواخر يونيو سنة 640م وأنها استسلمت في 8 نوفمبر سنة 641م وهو ما يوافق 7 ذي الحجة سنة 21هـ، وقد يرجح هذا القول ما ورد في رسالة عمر الفاروق إلى عمرو بن العاص: إنكم تقاتلونهم منذ سنتين، فما بين وصول عمرو العريش في ديسمبر سنة 639م وتسليم الإسكندرية في نوفمبر 641م ما يعادل سنتين هلاليتين واستبقى عمرو أهل الإسكندرية فلم يقتل ولم يَسْبِ وجعلهم أهل ذمة، كأهل بابليون… ثم ترك في الإسكندرية حامية من قواته بعد أن اطمأن إليها ونشر بقية كتائبه لتفتح بقية حصون الروم وجيوبهم في مصر، فاستكمل فتح ساحل البحر المتوسط ومدنه الكبرى مثل رشيد ودمياط وغيرها: وكذلك بسط سيطرته على كل دلتا مصر وصعيدها([134]).

.




رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ Arsalan على المشاركة المفيدة:
قديم 07-05-2012, 11:49 PM   رقم المشاركة : 5
Arsalan
عضو نشيط






 

الحالة
Arsalan غير متواجد حالياً

 
Arsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريبArsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريب

التميز في القسم الإسلامي عضو متميز 

شكراً: 192
تم شكره 741 مرة في 171 مشاركة

 
افتراضي رد: ●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السابع || ~ ‏





.

ثالثاً: فتح برقة وطرابلس:

وسار عمرو بعد أن استقر له فتح مصر ليؤمن فتوحه من ناحية الغرب إذ كانت للروم قوات في برقة وطرابلس تتحصن هناك، وربما واتتها الفرصة ساقها الإغراء إلى مهاجمة المسلمين بمصر، فاتجه في قواته إلى برقة سنة 22هـ وكان الطريق بينها وبين الإسكندرية آنذاك منزعاً بالخضرة والعمران، فلم يلق كيداً في طريقه إليها، فلما وصلها صالحه أهلها على أداء الجزية، وكان أهل برقة بعد فتحها يبعثون بخراجهم إلى والي مصر من غير أن يأتيهم حاث أو مستحث فكانوا أخصب قوم بالمغرب ولم يدخلها فتنة، ثم سار عمرو إثر ذلك إلى طرابلس ذات الحصون المنيعة، وبها جيش رومي كبير، فأغلقت أبوابها وصبرت على الحصار الذي استمر شهراً لا يقدر المسلمون منها على شيء وكان البحر من ورائها لاصقاً ببيوت المدينة، ولم يكن بين المدينة والبحر سور، فاستبانت جماعة من قوات المسلمين الأمر، فتسللت إلى المدينة من جهة البحر، وكبروا؛ فلم يكن للروم مفزع إلا سفنهم، إذ هاجمهم عمرو في قواته أيضاً فلم يفلت منهم إلا ما خفت بهم مراكبهم، وغنم المسلمون ما بالمدينة، وبث عمرو قواته فيما حولها وأراد عمرو أن يستكمل فتوحه في الغرب ويسير إلى تونس وأراضي إفريقية ليفتحها، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب، غير أن الخليفة كان يخشى على جيوش المسلمين من الانسياح في جبهة جديدة ولم يطمئن بعد إلى ما فتحت في زحفها السريع من الشام إلى طرابلس، فأمر القوات الإسلامية بالتوقف عند طرابلس وبذلك امتدت دولة الإسلام في عصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتشمل مساحة شاسعة من الأرض يحدها من الشرق نهر جيحون والسند ومن الغرب بلاد إفريقية وصحراؤها، ومن الشمال جبال آسيا الصغرى وأراضي أرمينية، ومن الجنوب المحيط الهادي وبلاد النوبة في دولة عالمية واحدة متعددة الأجناس والديانات والنحل والعادات، عاش أهلها في عدل الإسلام ورحمته، ذلك الدين الذي احتفظ لهم بحقهم في الحياة الكريمة وإن اختلفوا معه في عقائدهم؛ ومع أهله في عاداتهم وأعرافهم([135]).




.

المبحث الثالث: أهم الدروس والعبر والفوائد في فتح مصر:

أولاً: سفارة عبادة بن الصامت الأنصاري إلى المقوقس:

حاصر عمرو بن العاص حصن بابليون فأرسل المقوقس إلى عمرو الرسالة التالية: إنكم قد وَلَجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا، وإنما أنتم عُصْبَة يسيرة، وقد أظلتكم الروم وجهزوا إليكم، ومعهم من العُدّة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فأرسلوا إلينا رجالاً منكم نسمع من كلامهم، فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبُّون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام، ولا يقدر عليه. ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفاً لمطلبكم ورجائكم، فابعثوا إلينا رجالاً من أصحابكم، نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء. فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين، حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أتروْن أنهم يقتلون الرسل ويحبسونهم، ويستحلون ذلك في دينهم! وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين. فرد عليهم عمرو مع رسلهم: إنه ليس بيني وبينك إلا إحدى خصال ثلاث: إما إن دخلتم في الإسلام، فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا وإن أبيتم أعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما أن جاهدناكم بالصبر والقتال، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين([136])، فلما جاءت رسل المقوقس إليه، قال: كيف رأيتموهم قالوا: رأينا قوماً الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نَهمة، وإنما جلوسهم على التراب وأكلهم على رُكبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد فيهم من العبد: وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويتخشعون في صلاتهم. فقال عند ذلك المقوقس: والذي يُحْلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، ولا يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم، وهم محصورون بهذا النيل، لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم فردّ إليهم المقوقس رسله، وقال: ابعثوا إلينا رسلاً منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عسى أن يكون فيه صلاح لنا ولكم. فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر، وأحدهم عبادة بن الصامت، وكان طوله عشرة أشبار، وأمره عمرو أن يكون متكلم القوم، وألا يجيبهم إلى شيء دعوه إلا إحدى هذه الثلاث الخصال([137])؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدم في ذلك إليّ، وأمرني ألا أقبل شيئاً سوى خصلة من هذه الثلاث الخصال. وكان عبادة بن الصامت أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس، ودخلوا عليه، تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسواده، فقال: نحُّوا عني هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمني. فقالوا: إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً، وهو سيدنا وخيرنا، والمقدَّم علينا، وإنا نرجع جميعاً إلى قوله ورأيه، وقد أمّره الأمير دوننا بما أمره به، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله. فقال المقوقس للوفد: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون دونكم؟ قالوا: كلا: إنه وإن كان أسود كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعاً وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأياً، وليس ينكر السواد فينا. فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد علي كلامك، ازددت هيبة فتقدم إليه عبادة فقال: قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلَّفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم مثلي، وأشد سواداً مني وأفظع منظراً، ولو رأيتهم لكُنت أهيب لهم مني، وأنا قد ولّيت وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعاً، وكذلك أصحابي وذلك إنما رغبتُنا، وبغيتنا الجهاد في سبيل الله تعالى، واتباع رضوان الله، وليس غزونا عدوَّنا ممن حارب الله لرغبة الدنيا، ولا طلباً للاستكثار منها؛ إلا أن الله عز وجل قد أحلّ ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالي أحدنا: أكان له قنطار من ذهب، أم كان لا يملك إلا درهما، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها، يسد بها جَوْعَته، وَشمْلة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله تعالى، واقتصر على هذا الذي بيده؛ لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا فيما يمسك جَوْعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضا ربه، وجهاد عدوه، فلما سمع المقوقس ذلك منه، قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط، لقد هِبت منظره؛ وإن قوله لأهيب عندي من منظره، إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض، وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. ثم أقبل المقوقس على عبادة فقال: أيها الرجل، قد سمعت مقالتك، وما ذكرت عنك وعن أصحابك ولعمري ما بلغتكم إلا بما ذكرت ولا ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبِّهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم مما لا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشدة ممن لا يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل وإنا لنعلم أنكم لن تقوَوا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلَّتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهراً، وأنتم في ضيق وشدة في معاشكم وحالكم، ونحن نرِقُ عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما
لا قوَّة لكم به. فقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: يا هذا؛ لا تغرّنَّ نفسك
ولا أصحابك. أما ما تخوِّفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم، فلعمْري ما هذا الذي تخوفنا به، ولا بالذي يكْسِرنا عما نحن فيه، إن كان ما قلتم حقاً فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم، وأشد لحرصنا عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، وإن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجَنّته، وما من شيء أقرّ لأعيننا، ولا أحب إلينا من ذلك وإنا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين؛ إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفِرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله تعالى قال لنا في كتابه:} كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(249) { (البقرة،آية:249).
وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحاً ومساء: أن يرزقه الشهادة وألا يرد إلى بلده، ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا همٌ فيما خلفه، وقد استودع كل واحد منا ربه أهله وولده وإنما همنا ما أمامنا. وأما قولك: إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، فنحن في أوسع السّعة، لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا لأنفسنا منها أكثر مما نحن فيه فانظر الذي تريد، فبيّنه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منكم، ولا نجيبكم إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر أيها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين؛ وهو عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل إلينا؛ إما إن أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا وكان أخانا في دين الله، فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحلَّ أذاكم ولا التعرض لكم. وإن أبيتم إلا الجزية، فأدُّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على بشيء نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبداً ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم، إذا كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد الله علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت عن آخرنا أو نصيب ما نريد منكم هذا ديننا الذي ندين الله تعالى به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم فقال المقوقس: هذا مما لا يكون أبداً، ما تريدون إلا تتخذونا عبيداً ما كانت الدنيا. فقال له عبادة: هو ذاك، فاختر ما شئت. فقال المقوقس: أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاثة؟ فرفع عبادة يديه، وقال: لا، ورب السماء ورب هذه الأرض ورب كل شيء، ما لكم عندنا خصلة غيرها فاختاروا لأنفسكم. فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه، وقال: قد فرغ القول مما ترون؟ فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل؟ أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم؛ فهذا لا يكون أبداً،
ولا نترك دين المسيح ابن مريم، وندخل في دين لا نعرفه، وأما ما أرادوا من أن يسْبُونا ويجعلونا عبيداً أبداً، فالموت أيسر من ذلك؛ لو رضوا منا أن تُضعف لهم ما أعطيناهم مراراً، كان أهون علينا. فقال المقوقس لعبادة: قد أبى القوم، فما ترى؟ فارجع صاحبك على أن نعطيكم في مَرّتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون فقام عبادة وأصحابه. فقال المقوقس لمن حوله عند ذلك: أطيعوني، وأجيبوا القوم إلى خصلة واحدة من هذه الثلاث، فوالله ما لكم بهم طاقة؛ وإن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منها كارهين. فقالوا: أي خصلة نجيبهم إليها؟ قال: إذا أخبركم.. أما دخولكم في غير دينكم، فلا آمركم به؛ وأما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقدروا عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولابد من الثالثة. قالوا: فنكون لهم عبيداً أبداً؟ قال: نعم تكونوا عبيداً مُسلطين في بلادكم آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم خير لكم من أن تموتوا عن آخركم، وتكونوا عبيداً، وتباعوا وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبداً، أنتم وأهلوكم وذراريكم. قالوا: فالموت أهون علينا، وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط والجزيرة، وبالقصر من جمع القبط والروم كثير([138]).

ومن الحوار الذي دار بين عبادة والمقوقس، ظهرت نباهة عبادة وإدراكه لمرامي خصمه فلم يتأثر بتلك الأساليب التي استخدمها للتأثير في نتائج المحادثات تلك كما ظهر عبادة واضحاً في تصوراته وأهدافه، ولم ينس في خضم ذلك أن يدعو إلى الإسلام ويرغب فيه، ويظهر انفتاح المسلمين على غيرهم من الأمم والأديان مما ترك أثراً طيباً في نفس المقوقس الذي اختار الصلح مع المسلمين([139]).



.

ثانياً: من فنون القتال في فتوح مصر:

مارس عمرو بن العاص رضي الله عنه في فتح مصر فنوناً عدة في القتال منها:

1- الحرب النفسية:

عندما أمر المقوقس النساء أن يقمن على سور بابليون مقبلات بوجوههنّ إلى داخله، وأقام الرجال بالسلاح مقبلين بوجههم إلى المسلمين ليرهبوهم بذلك، فأرسل إليه عمرو: .. إنا قد رأينا ما صنعت، وما بالكثرة غلبْنا من علينا، فقد لقينا مِلكَكُم فكان من أمره ما كان فقال المقوقس لأصحابه: صدق هؤلاء القوم، أخرجوا ملكنا من دار مملكته حتى أدخلوه القسطنطينية، فنحن أولى بالإذعان([140])، فقد كان عمرو من القادة الذين يستخدمون الحرب النفسية لإرهاب عدوه وإحباط روح القتال لديه، وكان يعتمد في الحرب على الله ثم على العقل والسيف لتحقيق هدف واحد هو تحقيق النصر الحاسم في نهاية المعركة([141]).



.

2- أسلوب المباغتة بالكمائن:
مارس عمرو أسلوب المباغتة بالكمائن في وقعة عين شمس، فقد أعدّ هذه الكمائن إعداداً محكماً مما يسر له سبل النجاح الكامل فهو قد أرسلها لاتخاذ مواقع معينة من الليل، فأحسن اختيار تلك المواقع، وعيّن ساعة انطلاق كل منها في وقت يكون العدو منشغلاً بمجابهته، فباغتته تلك الكمائن في ميمنته وميسرته، فأحسن بذلك اختيار التوقيت، وساعة الصفر ونقاط الصدام مع العدو. وهكذا تعتبر عملية عمرو (المباغتة بالكمائن) في هذه الوقعة من أكثر عمليات المباغتة نجاحاً وإتقاناً([142]).



.

3- أسلوب المباغتة في أثناء الحصار:

وأتقن عمرو كذلك أسلوب المباغتة في أثناء حصار حصن بابليون فبينما كان الروم المحاصَرون في هذا الحصن مطمئنين إلى أن المسلمين لن يستطيعوا النيل منهم، بفضل مناعة حصونهم وأسوارهم وما لديهم من ذخائر ومؤن ومعدات حربية، وبسبب ما وضعوه من عوائق من الحسك الشائك على أبواب الحصن وفي الخندق الذي جفت مياهه بعد هبوط مياه النيل إذا بهم يفاجأون في ليلة مظلمة بالزبير بن العوام ومجموعة من رجاله المقاتلين، يعتلون السور مكبرين، ويباغتونهم فيعملون السيف فيهم، ويهزم من في الحصن من المدافعين فيطلبون الصلح والأمان، ويدخل المسلمون الحصن فاتحين([143]).



.

4- أسلوب النفس الطويل في الحصار:

اعتمد عمرو في حصار ((كِرْيون)) و((الاسكندرية)) النفس الطويل؛ فهو عندما أيقن صعوبة الانتصار على الروم المتمركزين في مواقع منيعة ومحصنة في كريون، بدأ بمناوشتهم محاولاً، لمرة واحدة فقط، شن هجوم على الحصن، إلا أنه فشل، فاستمر في المناوشة تاركاً للزمن، والإرهاق، ونفاذ الذخيرة، والمؤونة وصبر الرجال أن يفعل فعله، وهكذا كان، وما أن استمر حصار كريون بضعة عشر يوماً حتى أيقن الروم عزم المسلمين على الاستمرار في هذا الحصار فلم يجدوا بداً من الاستسلام وتسليم الحصن للمهاجمين، وحدث الشيء نفسه في حصار الإسكندرية، إلا أن هذا الأخير استمر مدة أطول (ثلاثة أشهر) وذلك لأن الروم كانوا يدركون إدراكاً تاماً أن هذه هي الفرصة الأخيرة لجيشهم بل ولهم جميعاً، فإن سقطوا في الإسكندرية سقطوا في مصر وفي إفريقيا بأسرها. وهذا ما حصل([144]) تماماً.



.

ثالثاً: بشارة الفتح إلى أمير المؤمنين:

بعث عمرو بن العاص معاوية بن حديج وافداً إلى عمر بن الخطاب بشيراً بالفتح فقال له معاوية: ألا تكتب معي؟ فقال له عمرو: وما أصنع بالكتاب: ألست رجلاً عربياً تبلغ الرسالة، وما رأيت حضرت([145]) فلما قدم على (عمر) أخبره بفتح الإسكندرية فخرَّ عمر ساجداً وقال: الحمد لله ونترك معاوية بن حديج يحدثنا عن قصته في إبلاغ أمير المؤمنين ببشارة الفتح: لما بعثني عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب وصلت المسجد فبينما أنا قاعد فيه إذ خرجت جارية من منزل (عمر بن الخطاب)، فرأتني شاحباً عليَّ ثياب السفر، فأتتني، فقالت: من أنت؟ قال: فقلت: أنا معاوية بن حديج، رسول عمرو بن العاص، فانصرفت عني ثم أقبلت تشتد أسمع حفيف إزارها على ساقها أو على ساقيها حتى دنت مني فقالت: قم فأجب أمير المؤمنين يدعوك، فتتبعتها فلما دخلت فإذا بعمر بن الخطاب يتناول رداءه بإحدى يديه، ويشد إزاره بالأخرى، فقال: ما عندك؟ فقلت: خيراً يا أمير المؤمنين، فتح الله الإسكندرية فخرج معي إلى المسجد فقال للمؤذن: أذن في الناس (الصلاة جامعة)، فاجتمع الناس، ثم قال لي: قم فأخبر أصحابك فقمت فأخبرتهم، ثم صلى ودخل منزله، واستقبل القبلة، فدعا بدعوات، ثم جلس فقال: يا جارية هل من طعام؟ فأتت بخبز وزيت فقال: كل فأكلت على حياء ثم قال: كله فإن المسافر يحب الطعام فلو كنت آكلاً لأكلت معك فأصبت على حياء، ثم قال: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت لعل أمير المؤمنين قائل – نوم القيلولة – قال: بئس ما قلت أو بئس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيعن الرعية ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية([146]).

ومن هذا الخبر نستنتج أن المسجد في عصر الإسلام الأول كان يمثل أهم وسائل الإعلام حيث يجتمع المسلمون فيه بنداء الصلاة جامعة، وهذا النداء يعني أن هناك أمراً مهماً سيتم إبلاغه لعموم المسلمين فإذا اجتمعوا أُلقيت عليهم البيانات العسكرية والأمور السياسية والاجتماعية وغير ذلك، كما نستفيد من هذا الخبر وصفاً لحياة عمر رضي الله عنه، وهو خليفة المسلمين، حيث يقول لمعاوية بن خديج لئن نمت النهار لأضيِّعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعنَّ نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية وهذا يدل على كمال اليقظة لحق النفس وحقوق الآخرين، وإذا استطاع المسلم أن يجمع بين مراعاة ذلك كله فإنه يكون من المتقين المحسنين([147]).



.

رابعاً: حرص الفاروق على الوفاء بالعهود:

ذكر ابن الأثير: … إن المسلمين لما انهوا إلى بِلْهِيب وقد بلغت سباياهم إلى اليمن أرسل صاحبهم إلى عمرو بن العاص:إنّني كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إليّ منكم: فارس والروم فإن أحببت الجزية على أن تردّ ما سبيتم من أرضي فعلت.

فكتب عمرو إلى عمر يستأذنه في ذلك، ورفعوا الحرب إلى أن يرد كتاب عمر. فورد الجواب من عمر: لعمري جزية قائمة أحب إلينا من غنيمة تُقسم ثمّ كأنها لم تكن، وأمّا السبي فإن أعطاك ملكهم الجزية على أن تخيّروا من في أيديكم منهم بين الإسلام ودين قومه فمن اختار الإسلام فهو من المسلمين ومن اختار دين قومه فضع عليه الجزية، وأمّا مَنْ تفرّق في البلدان فإنّا لا نقدر على ردّهم، فعرض عمرو ذلك على صاحب الإسكندريّة، فأجاب إليه، فجمعوا السبي واجتمعت النصارى وخيّروهم واحداً واحداً، فمن اختار المسلمين كبّروا، ومن اختار النصارى نخروا وصار عليه جزية، حتى فرغوا([148]).

إن هذا يعتبر شاهد صدق على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من العزوف عن الدنيا والإقبال على الآخرة، والرغبة الصادقة في هداية العالمين إلى الإسلام، فإن دخول الأسرى في الإسلام لا يفيد المسلمين شيئاً من الدنيا، وبقاؤهم على دينهم يتضمن فائدة دنيوية لهم حيث يُلزَمون بدفع الجزية للمسلمين ومع ذلك نجد عمر رضي الله عنه يأمر بتخيير الأسرى بين الإسلام أو دفع الجزية، وحينما تمّ تطبيق ذلك كان الصحابة ومن معهم يكِّبرون تكبيراً أشد من تكبير الفتح حينما يختار أولئك النصارى دين الإسلام ويجزعون جزعاً شديداً حينما يختارون البقاء على دينهم حتى كان أولئك الأسرى من ضمن جماعة المسلمين وخرجوا عن دين الإسلام ومما يلفت النظر في هذا الخبر حرص الصحابة على خلق الوفاء ويتضح ذلك من قول عمر رضي الله عنه في كتابه: وأما من تفرّق في البلدان فإنّا لا نقدر على ردّهم، وجاء في رواية: … ولا نحب أن نصالحه على أمر لا نفي له به([149])، فعمر رضي الله عنه ينظر إلى الوفاء بالعهد قبل إبرام الاتفاق مع الأعداء، حتى لا يكون المسلمون في وضع لا يستطيعون فيه الوفاء، وهذا الخلق يعتبر مرحلة عالية من الوفاء – وهو من أخلاق النصر – لأن من يبرم اتفاقية على أمر ثم لا يستطيع الوفاء به يكون معذوراً ولكن حينما يفكر بعمل الاحتياطات اللازمة لموضوع الوفاء بالعهد حتى لا يجد نفسه بعد ذلك عاجزاً عن الوفاء، فهذا نهاية التدبير، وغاية النظر الثاقب([150]).
.




رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ Arsalan على المشاركة المفيدة:
قديم 07-05-2012, 11:50 PM   رقم المشاركة : 6
Arsalan
عضو نشيط






 

الحالة
Arsalan غير متواجد حالياً

 
Arsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريبArsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريب

التميز في القسم الإسلامي عضو متميز 

شكراً: 192
تم شكره 741 مرة في 171 مشاركة

 
افتراضي رد: ●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السابع || ~ ‏





.


خامساً: عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم:

توجه عمرو بجيشه نحو الإسكندرية، وفي طريقه إليها جرت بينه وبين أهل تلك البلاد حروب كان النصر فيها حليف المسلمين ومن المواقف التي تذكر في ذلك أن عبد الله بن عمرو بن العاص أصيب بجراحات كثيرة في معركته مع أهل الكريون فجاءه رسول أبيه يسأله عن جراحه فقال عبد الله:

أقول إذا ما جاشت النفس
ا ااصبري، فعما قليل تحمدي أو تلامي

فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال فقال عمرو: هو ابني حقاً([151])، وهذا موقف من مواقف الصبر والتحمل يذكر لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الذي اشتهر بالعلم والعبادة فجمع إلى ذلك الشجاعة والصبر على الشدائد([152]).


.

سادساً: دار بنيت لأمير المؤمنين بمصر:

بعث عمرو بن العاص إلى الفاروق بقوله: إنا قد اختططنا لك داراً عند المسجد الجامع، فكتب عمر: إنّى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين([153]).

وهذا دليل على كمال ورع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وزهده في مظاهر الحياة الدنيا، وإذا كان الكبار والزعماء هم الذين يترفعون عن أوحال الدنيا، ومتاعها الزائل، فإن من دونهم من باب أولى أن يترفعوا عن ذلك([154]).


.

سابعاً: دعوى حرق المسلمين مكتبة الإسكندرية:

يقول الدكتور عبد الرحيم محمد عبد الحميد: لم نعثر على نص أو إشارة إلى أن عمرو بن العاص حرق مكتبة الإسكندرية وجل ما في الأمر أننا قرأنا نصاً لابن القفطي ينقله ابن العبري (ت 685هـ/1286م) قائلاً: اشتهر بين الإسلاميين يحيى النحوي وكان اسكندرياً، وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية، ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أنسة ونرى ابن القفطي (ت 646/1267م). يكمل القصة قائلاً فقال له عمرو
وما الذي تريده إليه قال: كتب الحكمة في الخزائن الملوكية.. أربعة وخمسون ألفاً ومائة وعشرون كتاباً.. فاستكثر عمرو ما ذكره يحيى وقال لا يمكنني أن آمر بأمر إلا بعد استئذان أمير المؤمنين، وكتب إلى عمر، وعرفه قول يحيى، فورد كتاب عمر يقول: أما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنها غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليها، فتقدم بإعدامها، فشرع عمرو بن العاص في توزيعها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقد وذكرني عدة الحمامات يومئذ وأنسيتها فذكروا أنها استنفذت في ستة أشهر فاسمع ما جرى وأعجب([155]).

إلا أن قصة الحرق هذه وردت قبل ابن القفطي، وقبل ابن العبري فهذا عبد اللطيف البغدادي (ت 649هـ/ 1231) قال: وأنه دار العلم الذي بناه الإسكندر حيث بنى مدينة وفيها كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمرو بن العاص بإذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه([156])، وعند دراسة هذه الروايات نرى أنه لابد من إبداء الملاحظات التالية:


.

1- لا يوجد ترابط بين تلك الروايات الثلاث، ولا صلة في النقل التاريخي تربط من ألفوها فضلاً عن أنهم عاشوا في فترة زمنية متقاربة.

2- لا يوجد أي إسناد يرجع إليه في هذه الروايات وإنما هي افتراضات افترضها أصحابها.

3- أنها وجدت في فترة بعيدة عن زمن فتح مصر وعمرو بن العاص ويمكن القول بكل ثقة أن هذه القصة مختلقة اختلاقاً واضحاً يمكن الطعن فيها من النواحي التالية:


.

- لم يذكر قصة حرق مكتبة الإسكندرية من أرخ لتاريخ مصر وفتحها ممن عاش قبل من ذكروا هذه القصة بعدة قرون.

- لم تذكر هذه القصة عند الواقدي ولا الطبري، ولم يتفق عليها ابن الأثير
ولا ذكرها ابن خلدون، فضلاً عن ابن عبد الحكم، ولم يصفها ياقوت الحموي عند وصف الإسكندرية.

- يمكن إرجاع هذه القصة إلى فترة الحروب الصليبية، من جهة البغدادي وربما وضعها تحت ضغط معين أو ربما انتحلت عليه فيما بعد.

- إذا وجدت هذه المكتبة المزعومة، فيمكن القول: إن الروم الذي غادروا الإسكندرية كان بإمكانهم إخراجها معهم، أو ربما فعلوا ذلك.

- لقد كان بإمكان عمرو إلقاؤها في البحر في فترة قصيرة بدلاً من حرقها الذي استغرق ستة أشهر، مما يدل على القصد في تزييف هذه القصة وتأليفها، ويمكن القول بلا وجل: إن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص رضي الله عنهما بريئان مما نسب إليهما في هذه القصة المصطنعة التي كانت من تخيلات أناس أحبوا التهويل فتخيلوا وجود مالم يكن موجوداً([157]).


.

ثامناً: لقاء عمرو بن العاص والبابا بنيامين:

يقول المؤرخ ابن عبد الحكم: كان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له أبو بنيامين، وكان هارباً في الصحراء بسبب الاضطهاد المذهبي الذي تعرض له الأقباط على أيدي الرومان المسيحيين، فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر، كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا تكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو، فيقال إن القبط الذين كانوا بالفرما صاروا يومئذ لعمرو أعواناً([158])، وقد جاء في رواية المؤرخ القبطي ساويرس بن المقنع أنه سانوتيوس أحد رؤساء القبط وقتئذ، والذي كان يتولى إدارة شئون الكنيسة مدة اختفاء البطريق بنيامين، قد روى لعمرو موضوع الأب المجاهد بنيامين البطرك وأنه هارب من الروم خوفاً منهم، فكتب عمرو بن العاص إلى عمّال مصر كتاباً يقول فيه الموضع الذي فيه بنيامين بطرك النصارى القبط له العهد والأمان والسلامة من الله، فليحضر آمناً مطمئناً ويدبر حال بيعته وسياسة طائفته، فلما سمع القديس بنيامين هذا، عاد إلى الإسكندرية بفرح عظيم بعد غيبة ثلاث عشرة سنة، فلما ظهر فرح الشعب وكل المدينة بمجيئه ولما علم عمرو بوصوله أمر بإحضاره بكرامة وإعزاز ومحبة، فلما رآه أكرمه وقال لأصحابه إن في جميع الكور التي ملكناها إلى الآن ما رأيت رجلاً يشبه هذا وكان الأب بنيامين حسن المنظر جداً، وجيد الكلام بسكون ووقار، ثم التفت عمرو إليه وقال له: جميع بيعتك ورجالك اضبطهم ودبِّر أحوالهم وانصرف من عنده مكرّماً مبجلاً وعلق الأستاذ الشرقاوي على هذا اللقاء فقال: وقرَّب عمرو إليه البطريق بنيامين حتى لقد أصبح من أعز أصدقائه عليه، واطمأن العرب الفاتحون في مصر، وخطبهم أميرهم عمرو بن العاص في أول جمعة صلاها بجامعه بالفسطاط فقال: .. استوصوا بمن جاوركم من القبط، فإن لكم فيهم ذمة وصهراً، فكفوا أيديكم، وعفُّوا وغضوا أبصاركم([159]).


.

المبحث الرابع: أهم الدروس والعبر والفوائد في فتوحات الفاروق:

أولاً: طبيعة الفتح الإسلامي:

حاول بعض المؤرخين من النصارى والمستشرقين تشويه الفتح الإسلامي في العصر الراشدي وزعموا أن الفتوحات كانت حروباً دينية وقالوا: إن المسلمين أصحاب عقيدة، ولكنهم توسلوا بالتعصب الأعمى، وأخضعوا الناس لمبادئهم بالقهر والإرغام، وخاضوا إلى ذلك بحار الدم والقسوة، وأنهم كانوا يحملون القرآن بإحدى يديهم، والسيف باليد الأخرى([160])، وممن ركز منهم على هذه الفكرة، (سيديو) و(ميور) و(نيبور). إذ ينقل (ميور) عن نيبور قوله: وكان من الضروري لدوام الإسلام أن يستمر في خطته العدوانية وأن ينفذ بحد السيف ما يطالب به من دخول الناس في الإسلام كافة، أو بسط سيطرته العالمية على الأقل، غير أنه لا مناص لأيّ من الأديان أن يجنح أتباعه للحرب في إحدى مراحل حياته، وكذلك كان الحال في الإسلام، ولكن الزعم أن المسلمين هدفوا إلى بث الدعوة بالقوة، أو أنهم كانوا أكثر عدواناً من غيرهم، زعم يجب إنكاره إنكاراً تاماً([161])، وقد ردّ بعض المستشرقين على هذه التهم ووصفوا الفتح الإسلامي بالمثل العالية والأخلاق الكريمة فهذا فون كريمر يقول: وكان العرب المسلمون في حروبهم مثال الخلق الكريم، فحرم عليهم الرسول([162])، قتل الرهبان، والنساء، والأطفال، والمكفوفين، كما حرم عليهم تدمير المزارع، وقطع الأشجار، وقد اتبع المسلمون في حروبهم هذه الأوامر بدقة متناهية، فلم ينتهكوا الحرمات، ولا أفسدوا الزروع، وبينما كان الروم يرمونهم بالسهام المسمومة، فإنهم لم يبادلوا أعداءهم جرماً بجرم، وكان نهب القرى وإشعال النار قد درجت عليها الجيوش الرومانية في تقدمها وتراجعها، أما المسلمون فقد احتفظوا بأخلاقهم المثلى فلم يحاولوا من هذا شيئاً([163])، وقال روزنتال: وقد نمت المدينة الإسلامية بالتوسع لا بالتعمق داعية إلى العقيدة، مناقشة لتلك الحركات الفكرية الموجودة وفوق كل ذلك تقدم الإسلام فتهاوت الحواجز القديمة من اللغة والعادات، وتوفرت فرصة نادرة لجميع الشعوب والمدنيات لتبدأ حياة فكرية جديدة على أساس المساواة المطلقة، وبروح المنافسة الحرة([164]).

إن الحقيقة التاريخية تقول بأن المسلمين لم يكرهوا أحداً على اعتناق الإسلام لأنهم قد التزموا بقول الله تعالى: } لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256) { (البقرة،آية:256).

وأما إقبال الشعوب على الإسلام فكان بسبب ما لمسوه في الإسلام نفسه، فهو النعمة العظيمة، ولما لمسوه في المسلمين من التخلق بأخلاق الإسلام والالتزام بأحكامه وأوامره ونواهيه ولما لمسوه في القادة والجند الذين كانوا يقومون بالدعوة بالتطبيق العملي، فتميزت مواقفهم بأنبل المواقف التي عرفها التاريخ العالمي، فقد كان الخلفاء والقادة يوصون جندهم بالاستعانة بالله، والتقوى، وإيثار أمر الآخرة على الدنيا، والإخلاص في الجهاد، وإرادة الله في العمل، والابتعاد عن الذنوب، فكانت فيهم الرغبة الأكيدة الملحة لإنقاذ الأمم والإفراد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ونقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، فكان قادة المسلمين على رأس جندهم يتلقون الصدمات الأولى في معارك الجهاد، واستشهد عدد كبير منهم، وقد كان القادة يسيرون خلف جندهم في وقت الأمن والعودة يرفقون بهم ويحملون الكلأ ويعينون الضعيف وكان القادة دعاة في المقام الأول، طبقوا مبادئ الحرب الإسلامي تماماً والحق أن المسلمين كانوا يخوضون جهاداً في سبيل الله، وليس حرباً كما كانت تفعل الدول الأخرى([165]).


.

ثانياً: الطريقة العمرية في اختيار قادة الجيوش:

كانت للفاروق طريقة متميزة في اختيار قادة الفتح، فقد وضع عدة شروط وضوابط لاختيار قادة جنده وهي كالآتي:

1- أن يكون تقياً ورعاً عالماً بأحكام الشريعة:

وكان يقول ويردد: من استعمل فاجراً وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله([166])، ولما أرسل إلى سعيد بن عامر ليستعمله على بعض الشام، فأبى عليه، فقال عمر: كلا والذي نفسي بيده لا تجعلونها في عنقي وتجلسون في بيوتكم([167]).


.

2- أن يشتهر القائد بالتأني والتروي:

لما ولَّى عمر رضي الله عنه أبا عبيد الثقفي قال له: إنه لم يمنعني أن أؤمر سليطاً إلا سرعته إلى الحرب، وفي التسرع إلى الحرب ضياع إلا عن بيان والله لولا سرعته لأمرته ولكن الحرب لا يصلحها إلا المكيث([168]).


.

3- أن يكون جريئاً، وشجاعاً ورامياً:

ولما أراد عمر أن يولي قائداً لجيوش المسلمين لفتح نهاوند([169]) واستشار الناس فقالوا يا أمير المؤمنين أنت أعلم بأهل العراق وجندك قد وفدوا عليك، ورأيتهم وكلمتهم فقال: أما والله لأولين أمرهم رجلاً ليكوننّ أول الأسنّة([170]) إذا لقيها غداً، فقيل من يا أمير المؤمنين؟ قال: النعمان بن مقرن المزنيِّ، فقالوا: هُوَ لها([171]).


.

4- أن يكون ذا دهاء وفطنة وحنكة:

قال عمر رضي الله عنه: ولكم عليّ ألا ألقيكم في المهالك ولا أحجزكم في ثغوركم([172]). ولما نزل عمرو بن العاص وجنده على الروم بموقعة أجنادين لفتحها وكان قائد الروم الأرطبون وهو أدهى الروم، وأبعدها غوراً، وأنكاها فعلاً، ووضع جنداً عظيماً بإيلياء والرملة وكتب عمرو إلى عمر بالخبر، فلما جاءه كتاب عمر قال: رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عمّ تنفرج([173])، ولما أراد عمرو أن يجمع المعلومات عن الأرطبون وجيشه، حتى يضع خطته الحكيمة لمهاجمته، والانتصار عليه دخل بن العاص معسكر قائد الروم وكاد أن يقتل إلا أن الله نجاه وخدع عمرو بن العاص أرطبون الروم ولما وصل الأمر إلى عمر بن الخطاب. قال: غلبه عمرو لله عمرو([174]).


.

5- أن يكون القائد لبقاً حاذقاً له رأي وبصر بالحروب:

يقول صاحب المغني (ابن قدامة الحنبلي) في كلامه عن أمير الحرب: .. ويكون ممن له رأي وعقل ونجدة وبصر بالحرب ومكايدة للعدو، ويكون فيه أمانة ورفق ونصح للمسلمين([175]). ولذلك اختار الفاروق سعد بن أبي وقاص لقيادة حرب العراق بعد أن استشار الناس.


.

6- الرغبة في العمل:

كان من خطة عمر رضي الله عنه أن لا يولِّي رجلاً عملاً لا رغبة له فيه ولا قناعة إلا إذا اضطر إلى ذلك ليكون العمل أكثر إتقاناً، فقد ندب الناس مرة وحثهم على قتال الفرس بالعراق، فلم يقم أحد ثم ندبهم في اليوم الثاني فلم يقم أحد، ثم ندبهم في اليوم الثالث وهكذا ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، ثم تتابع الناس، فأمّر على الجميع أبا عبيد – وهو لذلك أهلٌ – ولم يكن صحابياً فقيل لعمر: هلا أمّرت عليهم رجلاً من الصحابة؟ فقال: إنما أومر عليهم من استجاب([176])، وقد تجسدت هذه الصفات في كل من سعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص رضي الله عنهم وغيرهم كثير.

.



رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ Arsalan على المشاركة المفيدة:
قديم 07-05-2012, 11:51 PM   رقم المشاركة : 7
Arsalan
عضو نشيط






 

الحالة
Arsalan غير متواجد حالياً

 
Arsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريبArsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريب

التميز في القسم الإسلامي عضو متميز 

شكراً: 192
تم شكره 741 مرة في 171 مشاركة

 
افتراضي رد: ●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السابع || ~ ‏





.


ثالثاً: حقوق الله، والقادة والجند من خلال رسائل الفاروق:

· حقوق الله: كان الفاروق رضي الله عنه يرشد قادته وجنوده من خلال رسائله ووصاياه إلى أهمية التزامهم بحقوق الله والتي من أهمها:

1- مصابرة العدو: قال تعالى: } يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(200) { (آل عمران،آية:200). وكان مما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الصبر لسعد بن أبي وقاص حين بعث به إلى العراق: واعلم أن لكل عادة عتاداً، فعتاد الخير الصبر، فالصبر على ما أصابك أو نابك، يجتمع لك خشية الله([177])، كما كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح وهو بالشام قائلاً: لقد أثنى الله على قوم بصبرهم. فقال:} وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(147) فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(148) { (آل عمران،آية:146،147،148). فأما ثواب الدنيا فالغنيمة والفتح وأما ثواب الآخرة فالمغفرة والجنة واقرأ كتابي هذا على الناس ومرهم فليقاتلوا في سبيل الله وليصبروا كيما يؤتيهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة([178]).


.

2- أن يقصدوا بقتالهم نصرة دين الله: فقد استوعب الفاروق رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله([179])، فنجد حياته وتوصياته ورسائله يهيمن عليها هذا المعنى العظيم.


.

3- أداء الأمانة: قال تعالى: } وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(161) {
(آل عمران،آية:161). فمن وصايا الفاروق رضي الله عنه للقادة والعسكر في عدم الغلول قوله: (إذا لقيتم العدو فلا تفروا، وإذا غنمتم فلا تغلوا)([180]).


.

4- عدم الممالأة والمحاباة في نصرة دين الله: ومن مشهور قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المحاباة والمودة: من استعمل رجلاً لمودة أو قرابة لا يستعمله إلا لذلك فقد خان الله ورسوله، ومن استعمل فاجراً وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله([181]).


.

· حقوق القائد: وبين الفاروق في رسائله وتوجيهاته حقوق القائد والتي منها.

1- إلتزام طاعته: فحين بعث الفاروق بأبي عبيد بن مسعود الثقفي على رأس جيش نحو العراق أرسل برفقته سلمة بن أسلم الخزرجي وسليط بن قيس الأنصاري رضي الله عنهما وأمره أن لا يقطع أمراً دونهما وأعلمه أنهما من أهل بدر ثم إن
أبا عبيد حارب الفرس بموقعة الجسر وقد أشار عليه سليط أن لا يقطع الجسر
ولا يعبر إليهم فلم يسمع له مما أدى إلى هزيمة عسكر المسلمين فقال سليط في بعض قوله: لولا أني أكره خلاف الطاعة لأنحزت بالناس ولكني أسمع وأطيع وإن كنت قد أخطأت وأشركني عمر معك([182]).


.

2- أن يفوضوا أمرهم إلى رأيه: قال تعالى: } وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً(83) { (النساء،آية:83). جعل الله تفويض الرعية الأمر إلى ولي الأمر سبباً لحصول العلم وسداد الرأي، فإن ظهر لهم صواب خفي عليه بينوه له وأشاروا به عليه ولذلك ندب إلى المشاورة ليرجع بها إلى الصواب([183])، وقد جعل عمر رضي الله عنه للعسكر أميراً واحداً يفوضون أمرهم إلى رأيه ويكلونه إلى تدبيره حتى
لا تختلف أراؤهم فتختلف كلمتهم([184]) ففي السنة التي بعث فيها الفاروق بجيوش المسلمين إلى نهاوند وأمرهم بالتجمع هنالك كان الجيش يتألف من جند أهل المدينة المنورة من المهاجرين والأنصار وفيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وجند أهل البصرة بقيادة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وجند أهل الكوفة بقيادة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وبعد تجمعهم كتب إليهم الفاروق رضي الله عنه: إذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرن المزني([185]).


.

3- المسارعة إلى امتثال أمره: وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أول عمل قام به هو ندب الناس إلى فارس حيث أخذ يدعوهم لمدة ثلاثة أيام ولم يستجب أحد وفي اليوم الرابع كان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي مما أدى بعمر رضي الله عنه أن يوليه ذلك البعث بالرغم من وجود صحابة رسول الله لأنه سارع إلى تلبية النداء([186])، وعندما وجه الفاروق عتبة بن غزوان إلى البصرة قال ناصحاً إياه ومذكراً له بقوله: اتق الله فيما وليت وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر يفسد عليك إخوتك وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت به بعد الذلة، وقويت به بعد ضعف حتى صرت أميراً مسلطاً وملكاً مطاعاً تقول فيسمع منك وتأمر فيطاع أمرك فيا لها من نعمة إن لم ترفعك فوق قدرك وتبطرك عن من دونك([187]).


.

4- عدم منازعته في شيء من قسمة الغنائم: ومما قاله عمر بن الخطاب حول قسمة الغنائم: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار فإني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم ويقسموا فيئهم ويعدلوا عليهم فمن أشكل عليه شيء رفعه إليّ([188])، فمن ذلك في فتح الأبلة([189]) عندما تم تقسيم الغنائم بين الجند كان نصيب أحدهم قدراً من نحاس فلما صار بيده تبين أنه من ذهب وعرف ذلك الجند فشكوا إلى أمير الجند([190])، فأشكل ذلك عليه فكتب بدوره إلى عمر رضي الله عنه يخبره بذلك فأتاه الرد بقوله: أصر على يمينه بأنه لم يعلم أنها ذهب إلا بعد أن صارت إليه فإن حلف فأدفعها إليه وإن أبى فأقسمها بين المسلمين فحلف فدفعها إليه([191])، وعندما جمعت الغنائم في معركة جلولاء ذكر جرير بن عبد الله البجلي أن له ربع ذلك كله هو وقومه فكتب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: صدق جرير قد قلت له، فإن شاء أن يكون قاتل هو وقومه على جعل المؤلفة قلوبهم فأعطهم جعلهم، وإن كانوا إنما ما قاتلوا إلا لله ولدينه واحتسبوا ما عنده فهم من المسلمين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، فلما قدم الكتاب على سعد أخبر جريراً بذلك، فقال جرير: صدق أمير المؤمنين وبر لا حاجة لنا إلى الربع بل نحن من المسلمين([192]).


.

· حقوق الجند: وقد بين الفاروق في رسائله ووصاياه حقوق الجند والتي منها:

1- إستعراضهم وتفقد أحوالهم: فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إدارته أنه قال: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة فذاك لأن عمر كان مأموراً بالجهاد وهو أمير المؤمنين فهو أمير الجهاد فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلي الذي يصلي صلاة الخوف حال معاينة العدو([193])، وكان رضي الله عنه عندما يعقد الألوية لقادته وقبل سيرهم للغزو يستعرضهم ويوصيهم فمما كان يقول لهم: ائتزروا وارتدوا وانتعلوا واحتفوا وارموا الأغراض وألفوا الركب وانزوا على الخيل وعليكم بالمعدية – أو قال العربية – ودعوا التنعم وزي العجم ولن تخور قواكم ما نزوتم ونزعتم على ظهور الخيل ونزعتم بالقسي([194])، وهذا يظهر لنا مدى حرص الفاروق رضي الله عنه في الاستعداد وإظهار القوة واحتذى قادته حذوه في صف واستعراض العسكر وإبراز القوة للعدو سواء في المعارك الحربية أو أثناء الاستعداد لها، فكان عمرو بن العاص رضي الله عنه يخطب الجند بمصر في صلاة الجمعة ويحثهم على إسمان دوابهم ويتوعدهم إن لم يفعلوا ذلك بحط الفريضة عنهم يوم العرض فمن قوله: ولا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه واعلموا إني معرض الخيل كاعتراض الرجال فمن أهزل فرسه من غير علة حططت من فريضته قدر ذلك([195])، وعندما لقي معاوية عمر رضي الله عنهما عند قدومه الشام وجد أبهة الملك وزيه من العديد والعدة فاستنكر عليه ذلك وقال له: أكسروية يا معاوية؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا في ثغر تجاه العدو وبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة فسكت ولم يخطئه لما اجتمع عليه بمقصد من مقاصد الحق والدين([196]).


.

2- الرفق بالجند في السير: وقد كتب الفاروق إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما قائلاً: وترفق بالمسلمين في مسيرهم ولا تجشمهم مسيراً يتعبهم ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم ينقص قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس والكراع، وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح([197])..، وحين بعث الخليفة عمر رضي الله عنه بمدد إلى جند الشام حمل ضعيفهم وزودهم وأمر عليهم سعيد بن عامر، وعندما هم بالمسير قال عمر على رسلك حتى أوصيك، ثم سار عمر نحو الجيش راجلاً وقال له: يا سعيد وليتك هذا الجيش ولست بخير رجل فيهم إلا أن تتقي الله، فإذا سرت فأرفق بهم ما استطعت ولا تشتم أعراضهم ولا تحتقر صغيرهم ولا تؤثر قويهم ولا تتبع سواك ولا تسلك بهم المغاور واقطع بهم السهل ولا ترقد بهم على جادة([198]) الطريق والله تعالى خليفتي عليك وعلى من معك من المسلمين([199]).


.

3- أن يتصفحهم عند مسيرهم: فقد كان الفاروق يتصفح الجيوش عند مسيرهم ويوصيهم بالأخلاق الرفيعة والقيم العظيمة، فقد أمر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بالوفاء مع الأعداء حين طلبهم للأمان وأن لا يغدروا وبين له أن الخطأ في الغدر هلكة ووهن له وقوة للأعداء وحذره أن يكون شيناً على المسلمين وسبباً لتوهينهم([200]).


.

4- عدم التعرض عند اللقاء لمن خالفه منهم لئلا يحصل افتراق الكلمة والفشل:

ومن وصايا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأمرائه وقادته في هذا الباب قوله: لا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحداً الحد حتى يطلع الدرب لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار([201]).

وعندما بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالقائد سلمان بن ربيعة الباهلي على رأس جيش كان برفقته عمرو بن معديكرب وطليحة بن خويلد الأسدي وحدثت بين عمرو بن معديكرب وسلمان بن ربيعة أمور بلغت عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر قائلاً: أما بعد: فقد بلغني صنيعك بعمرو وإنك لم تحسن بذلك ولم تجمل فيه فإذا كنت بمثل مكانك في دار الحرب فانظر عمراً وطليحة وقربهما منك واسمع منهما فإن لهما بالحرب علماً وتجربة وإذا وصلت إلى دار السلم فأنزلهما منزلتهما التي أنزلا أنفسهما بها وقرب أهل الفقه والقرآن([202])، وكتب إلى عمرو بن معديكرب: أما بعد فقد بلغني إفحامك لأميرك وشتمك له، وإن لك لسيفاً تسميه الصمصامة وإن لي سيفاً أسميه المصمم وإني أحلف بالله لو قد وضعته على هامتك
لا أرفعه حتى أقدك به، فلما جاء الكتاب لعمرو قال: والله إن هم ليفعلن([203])، يتجلى من النصين السابقين فقه الفاروق فيما ينبغي أن يتحلى به القائد في دار الحرب من الإتلاف للقلوب وخاصة وهم بإزاء العدو، وأن على القائد أن يستشير من له خبرة بالحرب وهذا لا يعني انقطاع العلاقة والمودة بينهما حين عودة العسكر إلى دار السلام، وفي فتح الرها([204]) على يد عياض بن غنم قدم عليه مدد من الشام بقيادة بسر بن أبي أرطأة العامري وجه به يزيد بن أبي سفيان بأمر من عمر رضي الله عنه وحدث بينهما خلاف وهم في دار الحرب وكان عياض مستغنياً عن المدد فطلب إليه الرجوع إلى الشام فكتب عمر رضي الله عنه إلى عياض طالباً منه أن يوضح له سبب إرجاعهم وخاصة وهم ما قدموا إلا لمساندتك ولإعلام العدو أن الأمداد متواترة إليك فتنكسر قلوبهم ويسارعوا إلى طاعتك، فأجابه عياض قائلاً: خشيت أن يحصل شيء من التمرد وتختلف قلوب العساكر ولما كنت غنياً عن مدده اعتذرت إليه وأمرته بالعودة هذا هو السبب في إعادته([205])، عندها صوبه عمر رضي الله عنه ودعا له وخاصة وهم بإزاء العدو حتى لا تفترق الكلمة ويتناحروا فيما بينهم ويحصل الفشل([206]).



.

5- حراستهم من غرة يظفر بها العدو في مقامهم ومسيرهم:

اهتم الفاروق بأمر الحراسة ولذلك أمر قادته بالحرص والحذر من بيان العدو وأخذهم على غرة وطلب منهم إقامة الحرس في حلهم وترحالهم، فمن ذلك قوله لسعد بن أبي وقاص: أذك حراسك على عسكرك وتيقظ من البيان جهدك
ولا تؤتى بأسير ليس له عقد إلا ضربت عنقه لترهب بذلك عدو الله وعدوك([207])، وكان رضي الله عنه يوصي قادته باتخاذ العيون وبث الطلائع عند بلوغ أرض العدو حتى يكونوا على علم ودراية بحالهم وبنواياهم، فمما كتبه إلى سعد بن أبي وقاص قوله: وإذا وطئت أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم ولا يخفى عليك أمرهم وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تثق به وتطمئن إلى نصحه وصدقه فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدقك في بعضه والغاش عين عليك ليس عيناً لك، وليكن منك عند دنوّك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم وتتبع الطلائع عوراتهم وانتق للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك وتخير لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدوا كان أول
ما تلقاهم القوة من رأيك([208]). ويتضح لنا من هذه الوصية القيمة أن الخليفة عمر رضي الله عنه لم تقتصر عنايته باتخاذ العيون على الأعداء بل اتخذها أيضاً في الجيوش الإسلامية في الرقابة الإدارية على الولاة والعمال والقادة والجند ليتعرف أحوالهم وسيرتهم ومعاملتهم وسير أعمالهم العسكرية، فقد كانت له عيون في كل جيش ومعسكر ترفع إليه تقريراً عما يدور فيه([209])، وعندما شكا عمير بن سعد الأنصاري إلى الخليفة عمر حين قدم عليه وكان على طائفة من أهل الشام قائلاً: يا أمير المؤمنين إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها عرب سوس([210])، وإنهم لا يخفون على عدونا من عوراتنا شيئاً ولا يظهروننا على عوراتهم، فقال له عمر: فإذا قدمت فخيرهم بين أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين ومكان كل بعير بعيرين ومكان كل شيء شيئين فإن رضوا بذلك فأعطهم وخربها فإن أبوا فأنب إليهم وأجلهم سنة ثم خربها([211]). ثم لما قدم عليهم عمير بن سعد عرض عليهم ذلك فأبوا فأجلهم سنة ثم خربها([212]).


.

6- اختيار موضع نزولهم لمحاربة العدو: فقد كان الفاروق يوصي سعد بن أبي وقاص بأن لا يقاتل حتى يتعرف على طبيعة أرض المعركة كلها مداخلها ومخارجها ووفرة الماء والكلأ بها وما يجري مجرى ذلك([213])، كما كتب إليه قبل القادسية بأن يكون أدنى حجر من أرضهم لأنهم أعرف بمسالكها من عدوهم فمتى كانت الهزيمة استطاع التمكن من الانسحاب بالجند فينجوا من القتل فلا يستطيع العدو اللحاق بهم لجبنه من اتباعهم وعدم معرفته بطرقها([214])، وبالإضافة إلى ذلك فقد ولى الفاروق سعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان ريادة الجيش في اختيار موقع وموضع نزوله وإقامته، فقد قام الفاروق بتوزيع المهام الإدارية بين القادة([215])، وكان الفاروق يشترط في إدارته العسكرية على قادته عند اختيارهم لموضع نزولهم وإقامة معسكراتهم الحربية أن لا يفصلهم عن مقر القيادة العسكرية العليا ماء وذلك لما لها من مركزية في التخطيط ولتسهيل الإمداد والتموين([216])، كما كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح قائلاً: ولا تنزلهم منزلاً قبل أن تستريده لهم وتعلم كيف مأتاه([217]).


.

7- إعداد ما يحتاج إليه الجند من زاد وعلوفه: كان عمر رضي الله عنه يبعث لجند المسلمين بالعراق من المدينة المنورة بالتموين من الغنم والجزور([218])، وحمى النقيع والربذة([219])، للنعم التي يحمل عليها في سبيل الله، كما اتخذ في كل مصر على قدره خيولاً من فضول أموال المسلمين عدة لما يعرض فكان من ذلك بالكوفة أربعة آلاف فرس، وبالبصرة نحوُ منها، وفي كل مصر من الأمصار على قدره([220])، ثم حين قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالشام لمصالحة أهل بيت المقدس أنشأ إدارة لتموين الجيش عرفت باسم الأهراء([221])، وكان عمرو بن عبسة أول موظف عين لإدارة تموين الجيش([222]).


.

8- تحريضهم على القتال: كتب الفاروق إلى أبي عبيدة يحرضه على الجهاد قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى أمين الأمة
أبي عبيدة عامر بن الجراح سلام عليك فإني أحمد الله عز وجل سراً وعلانية وأحذركم من معصية الله عز وجل وأحذركم وأنهاكم أن تكونوا ممن قال الله في حقهم } قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24) { (التوبة،آية:24). وصلى الله على خاتم النبيين وإمام المرسلين والحمد لله رب العالمين([223])، فلما وصل الكتاب إلى أبي عبيدة قرأه على المسلمين فعلموا أن أمير المؤمنين يحرضهم على القتال ولم يبق أحد من المسلمين إلا بكى من كتاب عمر بن الخطاب، كما كتب إلى سعد بن أبي وقاص بالعراق ومن معه من الأجناد يحرضهم على القتال ويمنيهم ويأمرهم الالتزام بالفضائل ويحذرهم من ارتكاب المعاصي([224])، هذا وكان من مهام أمراء الأعشار في إدارة الفاروق رضي الله عنه التحريض في القتال([225]).


.

9- أن يذكرهم بثواب الله وفضل الشهادة: ففي عصر الفاروق قام سعد بن أبي وقاص في القادسية يذكر جنده بثواب الله تعالى وما أعد لهم في الآخرة من النعيم ورغبهم في الجهاد وأعلمهم ما وعد الله نبيه من النصر وإظهار الدين وبين لهم ما سوف يكون بأيديهم من النفل والغنائم والبلاد وأمر القراء أن يقرأوا سورة الجهاد (الأنفال) ([226])، كما قام أبو عبيدة بن الجراح في جند الشام خطيباً ومذكراً إياهم بثواب الله تعالى ونعيمه ومخبراً إياهم أن الجهاد خير لهم من الدنيا وما فيها([227])، كما اشتهر عن عمرو بن العاص قوله لجند فلسطين: من قتل شهيداً ومن عاش كان سعيداً وأمر الجند أن يقرأوا القرآن وحثهم على الصبر ورغبهم في ثواب الله وجنته([228]).


.

10- أن يلزمهم بما أوجبه الله من حقوق: فقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص ومن معه من الأجناد يوصيه بقوله: أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي من احتراسكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله([229])…


.

11- أن ينهاهم عن الاشتغال بتجارة وزراعة ونحوها: فقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه مناديه أن يخرج إلى أمراء الأجناد في أن يبلغوا العسكر أن عطاءهم قائم وأن رزق عيالهم سائل وأن ينهوهم عن الزراعة حتى إنّه عاقب من لم يمتثل ذلك([230])، كل ذلك حرصاً من الفاروق رضي الله عنه بتفريغ الجند للجهاد ونشر الإسلام ولأن لا يلتصقوا بالأرض حين يزرعوا فيركنوا إلى ذلك ويصبح قلبهم منشغلاً، ولذلك استطاع عمر رضي الله عنه أن يوجد جنداً متفرغاً للقتال جاهزاً لوقت الحاجة والطلب وضمن عدم انتشارهم لجني الثمار والزراعة وما يتبعها من حصاد وحرث وتسويق([231]).


.




رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ Arsalan على المشاركة المفيدة:
قديم 07-05-2012, 11:52 PM   رقم المشاركة : 8
Arsalan
عضو نشيط






 

الحالة
Arsalan غير متواجد حالياً

 
Arsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريبArsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريب

التميز في القسم الإسلامي عضو متميز 

شكراً: 192
تم شكره 741 مرة في 171 مشاركة

 
افتراضي رد: ●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السابع || ~ ‏




.



([1]) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية ص56 .
([2]) نفس المصدر ص55 .
([3]) تاريخ خليفة ص126 .
([4]) الهندسة العسكرية ص193 .
([5]) الهندسة العسكرية ص195 .
([6]) داري سليمان: تدمر ودمشق – كانا دارين لسليمان بن داود.
([7]) المعنى: توجهنا إلى الباب الشرقي الذي يسار منه العراق وفتحناه عنوة.
([8]) الحديث موجه إلى نساء العدو: أقيموا لهم حر الورى بالغلاصم اجعلوا لرجالكم المدارى به برأس حلوقهم لجبنهم أو خوفهم من الحرب.
([9]) زأدنا: أفزعنا.
([10]) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية ص58،59 وانظر العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين ص185 .
([11]) العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين ص188 .
([12]) العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين ص189 .
([13]) موار: أي الرياح تموج فيهم.
([14]) الردغ: الماء والطين والوحل الشديد.
([15]) المأقط: ضيف المواقع في الحرب.
([16]) ريانة: التمهل والبطء. المبيح: الأسد. الإبسار: من بسر كلح وجهه وتذمر.
([17]) العمليات الدفاعية ص192 .
([18]) ذرى الأسفار: أعاليها وأصعبها.
([19]) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية ص61 .
([20]) أي نهر الفرات إلى الجزيرة.
([21]) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية ص62 .
([22]) تاريخ الطبري (4/427).
([23]) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية ص63 .
([24]) تاريخ الطبري (4/431).
([25]) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية ص63،64 .
([26]) دراسات في عهد النبوة والخلاقة الراشدة ص355 .
([27]) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي د. ياسين سويد ص35 .
([28]) تاريخ الطبري (4/431).
([29]) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي ص35 .
([30]) المصدر نفسه ص35،36 .
([31]) تاريخ الطبري (4/432).
([32]) حروب القدس ص36 .
([33]) المصدر نفسه ص36 .
([34]) تاريخ الطبري (4/433).
([35]) المصدر نفسه (4/433).
([36]) حروب القدس ص37 .
([37]) حروب القدس ص38 .
([38]) المصدر نفسه ص38 .
([39]) المصدر نفسه ص38 .
([40]) تاريخ الطبري (4/433).
([41]) المصدر نفسه (4/433).
([42]) تاريخ الطبري (4/433).
([43]) تاريخ الطبري (4/434).
([44]) حروب القدس ص40 .
([45]) فتوح الشام (1/213-216).
([46]) المصدر نفسه (1/225).
([47]) حروب القدس ص40 .
([48]) حروب القدس ص41 .
([49]) فتوح البلدان (1/188-189).
([50]) المصدر نفسه (1/189).
([51]) تاريخ الطبري (4/431-436).
([52]) حروب القدس ص41 .
([53]) حروب القدس ص42 .
([54]) تاريخ الطبري (4/436).
([55]) سير أعلام النبلاء (3/386-387) ، التاريخ الإسلامي (10/319).
([56]) الاكتفاء للكلاعي (3/194).
([57]) الاكتفاء للكلاعي (3/194).
([58]) الاكتفاء للكلاعي (3/194).
([59]) الأنصار في العصر الراشدي ص207 .
([60]) المصدر نفسه ص209 .
([61]) المصدر نفسه ص209 .
([62]) المصدر نفسه ص209 .
([63]) المصدر نفسه ص209 .
([64]) قيل أنه استشهد باليرموك وقيل أجنادين، وقيل يوم فحل.
([65]) الاستيعاب (4/486) دور المرأة السياسي، أسماء محمد ص313 .
([66]) تاريخ الطبري (4/428).
([67]) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية ص66 .
([68]) الرُّها: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام.
([69]) مدينة على شط الفرات في طرف أرمينية بينها وبين الشام.
([70]) تاريخ الطبري (4/429).
([71]) تاريخ الطبري (4/429).
([72]) محض الصواب (2/590) إسناده صحيح.
([73]) مسند أحمد الموسوعة الحديثية رقم 177 حديث صحيح ورجاله ثقات.
([74]) اللَّبد السرج والشنّ القربة القديمة.
([75]) الجونة: السلة.
([76]) سير أعلام النبلاء (1/17).
([77]) المصدر نفسه (1/17).
([78]) محض الصواب (2/589، 590) إسناده صحيح إلى عروة.
([79]) جولة في عصر الخلفاء الراشدين، محمد سيد الوكيل ص200، 201.
([80]) البداية والنهاية (7/57) هذا إسناد جيد.
([81]) مجموعة الرسائل الكبرى (2/57،58).
([82]) جولة في عصر الخلفاء اراشدين ص203،204 .
([83]) الطريق إلى دمشق ص408،409 .
([84]) الأنصار في العصر الراشدي ص207 .
([85]) الطريق إلى الشام ص410،411 .

([86]) الطريق إلى الشام ص411 ، تاريخ الطبري (4/23،25).
([87]) نفض البلد: طهرها من اللصوص والأعداء.
([88]) تاريخ الطبري (5/24،25).
([89]) تاريخ الطبري (5/25).
([90]) التاريخ الإسلامي (11/137).
([91]) تاريخ الطبري (5/26-30).
([92]) عصر الخلافة الراشدة للعمري ص348 .
([93]) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة ص357 .
([94]) فتوح الشام للأزدي ص118 .
([95]) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة ص357 .
([96]) النجوم الزاهرة (1/4-7).
([97]) فتوح مصر ص57 .
([98]) تاريخ الطبري (5/84-93).
([99]) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراسدة ص357،358 .
([100]) عمرو بن العاص القائد والسياسي، د. عبد الرحيم محمد ص79 .
([101]) فتح مصر، صبحي ندا ص19،20 .
([102]) نفس المصدر ص20 .
([103]) جولة في عصر الخلفاء الراشدين ص214 .
([104]) النجوم الزاهرة (1/7،8).
([105]) القيراط: معيار في الوزن وفي القياس، اختلفت مقاديره باختلاف الأزمنة.
([106]) مسلم، ك فضائل الصحابة رقم 2543 .
([107]) البداية والنهاية (7/100).
([108]) فتح مصر ص24 .
([109]) الدور السياسي للصفوة في صدر الإسلام ص431 .
([110]) فتح مصر، صبحي ندا ص24 .
([111]) نفس المصدر ص24 .
([112]) الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين ص218.
([113]) نفس المصدر ص219.
([114]) نفس المصدر ص219.
([115]) الفتوحات الإسلامية د. عبد العزيز الشناوي ص91.
([116]) نفس المصدر ص91.
([117]) الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين ص224 .
([118]) نفس المصدر ص224 .
([119]) نفس المصدر ص224 .
([120]) نفس المصدر ص225 .
([121]) نفس المصدر ص225 .
([122]) نفس المصدر ص225 .
([123]) نفس المصدر ص225 .
([124]) الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، حمدي شاهين ص226 .
([125]) نفس المصدر ص226 .
([126]) نفس المصدر 226 نقلاً عن ابن عبد الحكم.
([127]) نفس المصدر ص227 .
([128]) نفس المصدر ص225 .
([129]) نفس المصدر ص227 .
([130]) نفس المصدر ص228 .
([131]) الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين ص228 .
([132]) الأنصار في العصر الراشدي ص212 .
([133]) الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين ص229 .
([134]) المصدر نفسه ص229 .
([135]) الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين ص231 .
([136]) عبادة بن الصامت صحابي كبير وفاتح مجاهد ص91 .
([137]) وهي التي تقدمت: وهي الإسلام أو الجزية أو القتال.
([138]) النجوم الزاهرة، ملوك مصر والقاهرة (1/10-16).
([139]) الأنصار في العصر الراشدي ص211 .
([140]) الحرب النفسية، الدكتور أحمد نوفل: ص174 .
([141]) المصدر نفسه ص174 .
([142]) الفن العسكري الإسلامي ص320 .
([143]) المصدر نفسه ص320 .
([144]) المصدر نفسه ص320 .
([145]) فتوح مصر والمغرب ص104،105 .
([146]) فتوح مصر والمغرب ص105 ، فتح مصر بين الرؤية الإسلامية والرؤية النصرانية، د. إبراهيم المتناوي ص114 .
([147]) التاريخ الإسلامي للحميدي (11،12/348،349).
([148]) الكامل في التاريخ (2/177).
([149]) التاريخ الإسلامي (12/351).
([150]) المصدر نفسه (12/351).
([151]) فتوح مصر ص57 .
([152]) التاريخ الإسلامي (12/330).
([153]) فتوح مصر ص69 .
([154]) التاريخ الإسلامي (12/356).
([155]) عمرو بن العاص القائد والسياسي ص133 .
([156]) المصدر نفسه ص134 .
([157]) عمرو بن العاص القائد والسياسي ص134 .
([158]) فتوح مصر وأخبارها ص73،74 .
([159]) الفاروق ص247 .
([160]) تاريخ العرب العام، سيديو ص133 .
([161]) فتح مصر بين الرؤية الإسلامية والرؤية النصرانية ص126 .
([162]) الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحرم من تلقاء نفسه بل بالوحي الإلهي.
([163]) الإسلام وحركة التاريخ أنور الجندي ص83 .
([164]) علم التاريخ عند المسلمين، ترجمة صالح أحمد العلي ص46 .
([165]) فتح مصر، الدكتور إبراهيم المتنَّاوي ص127 .
([166]) موسوعة فقه عمر ص100 عن سيرة عمر لابن الجوزي ص67 .
([167]) موسوعة فقه عمر ص100 عن مصنف عبد الرزاق (11/348).
([168]) تاريخ الطبري (4/266).
([169]) نهاوند: من بلاد الفرس قرب همذان.
([170]) الأسنة: واحدة السنان أي سن الرمح.
([171]) تاريخ الطبري (5/109).
([172]) موسوعة فقه عمر ص109 .
([173]) تاريخ الطبري (4/431).
([174]) تاريخ الطبر (4/432).
([175]) المغني لابن قدامة (8/352).
([176]) البداية والنهاية (7/26).
([177]) تاريخ الطبري (4/306).
([178]) تاريخ فتوح الشام ص183 .
([179]) البخاري رقم 2655 .
([180]) الخراج لأبي يوسف ص85 .
([181]) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية (1/66).
([182]) مروج الذهب (2/315،316).
([183]) الأحكام السلطانية ص48 .
([184]) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية نشأتها وتطورها (1/100).
([185]) المصدر نفسه (1/100).
([186]) المصدر نفسه (1/113).
([187]) المصدر نفسه (1/114).
([188]) الخراج لأبي يوسف ص50 .
([189]) الأبلة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج.
([190]) الإدارة العسكرية (1/120).
([191]) مناقب أمير المؤمنين لابن الجوزي ص128 .
([192]) الإدارة العسكرية (1/121).
([193]) الفتاوى (22/609).
([194]) نهاية الأرب (6/168).
([195]) فتوح مصر لابن عبد الحكم ص141 .
([196]) الإدارة العسكرية (1/137) نقلاً عن المقدمة.
([197]) نهاية الأرب (6/169).
([198]) الجادة: معظم الطريق والجمع جواد.
([199]) تاريخ فتوح الشام ص186 للأزدي.
([200]) الإدارة العسكرية (1/179).
([201]) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص131 .
([202]) الأوائل للعسكري (2/45).
([203]) المصدر نفسه (2/45).
([204]) الرها: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام.
([205]) فتوح الشام ابن أعثم (1/253-255).
([206]) الإدارة العسكرية (1/188).
([207]) نهاية الأرب (6/170).
([208]) نهاية الأرب (6/169).
([209]) الإدارة العسكرية (1/396).
([210]) مدينة بالثغر من ناحية الحدث.
([211]) فتوح البلدان للبلاذري (1/185).
([212]) المصدر نفسه (1/185) ، الإدارة العسكرية (1/397).
([213]) نهاية الأرب (6/170) ، الإدارة العسكرية (1/205).
([214]) الإدارة العسكرية (1/205).
([215]) المصدر نفسه (1/206).
([216]) الإدارة العسكرية (1/206).
([217]) الإدارة العسكرية (1/207) نقلاً عن تاريخ الطبري.
([218]) فتوح البلدان للبلاذري (2/314).
([219]) الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز.
([220]) الإدارة العسكرية (1/217).
([221]) الهرى: بيت كبير ضخم يجمع فيه طعام السلطان والجمع أهراء.
([222]) الإدارة العسكرية (1/217).
([223]) فتوح الشام للواقدي (1/117).
([224]) الإدارة العسكرية (1/239).
([225]) الإدارة العسكرية (1/239).
([226]) تاريخ الطبري (4/356).
([227]) الإدارة العسكرية (1/243).
([228]) فتوح الشام (1/18،20).
([229]) الفاروق عمر بن الخطاب، محمد رشيد رضا ص119 .
([230]) الإدارة العسكرية (1/256).
([231]) المصدر نفسه (1/257).

.



رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ Arsalan على المشاركة المفيدة:
قديم 07-05-2012, 11:52 PM   رقم المشاركة : 9
Arsalan
عضو نشيط






 

الحالة
Arsalan غير متواجد حالياً

 
Arsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريبArsalan عضوية ستكون لها صيت عما قريب

التميز في القسم الإسلامي عضو متميز 

شكراً: 192
تم شكره 741 مرة في 171 مشاركة

 
افتراضي رد: ●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السابع || ~ ‏





.

الحمدلله تعالى تُـم طرح الجزء السـابـعْ مِن السلسلة ,و نأمل أن

الـسلـسلة الكريمة تكون مصدر الفائدة والأستفادة للجميع إن شاء الله

وصلى الله وسلم على نبينا وقائدنا محمداً وآله وصحبه أجمعين

.: والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته :.


.




رد مع اقتباس
قديم 07-06-2012, 12:19 AM   رقم المشاركة : 10
::Cinderella::
عضو متألق






 

الحالة
::Cinderella:: غير متواجد حالياً

 
::Cinderella:: عضوية جيدة فعلاً::Cinderella:: عضوية جيدة فعلاً::Cinderella:: عضوية جيدة فعلاً::Cinderella:: عضوية جيدة فعلاً::Cinderella:: عضوية جيدة فعلاً

الدعوة حياة نبض الإبداع التميز في القسم الإسلامي 

شكراً: 2,065
تم شكره 2,678 مرة في 717 مشاركة

 
افتراضي رد: ●● الخليفةُ الثانيّ ، عُمَر بن الخَطاب رضيَ الله عنهُ || الجزءُ السابع || ~ ‏

عمر..عمر..عمر...رضي الله عنة وآرضاة

واين في الناس مثلة........

لي عودة اخي...^^

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 11:02 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لموقع مونمس / " يمنع منعاً باتا المواضيع السيئة المخالفة للشريعة الإسلامية" التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المنتدى وإنما رأي الكاتب نفسه
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0