أولا: من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي في اختيار الأهلة مواقيت للناس:
القمر هو أقرب أجرام السماء إلي الأرض, إذ يدور حولها في فلك شبه دائري يبلغ طوله حوالي(2.4) مليون كم, ويبلغ متوسط نصف قطره( أي بعده عن مركز الأرض)(384.400) كم, ومن هنا فإن حركته بالنسبة لأهل الأرض هي أكثر الحركات الفلكية انضباطا. ففي أثناء هذه الدورة يقع القمر في وضع وسطي بين كل من الأرض والشمس وعلي استقامة واحدة مع مراكز هذه الأجرام الثلاثة, وبذلك يواجه القمر الأرض بوجه مظلم تماما, وتسمي هذه المرحلة باسم( مرحلة الاقتران), أو( المحاق), وتستغرق هذه المرحلة ليلة واحدة أو ليلتين, ثم يتحرك القمر ليخرج عن الاستقامة الواصلة بين مراكز هذه الأجرام الثلاثة فيولد( الهلال) الذي تحدد رؤيته عقب غروب الشمس( لمدة لا تقل عن عشر دقائق) بداية الشهر القمري الجديد. وباستمرار تحرك القمر في دورته حول الأرض تزداد مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض بالتدريج حتي يصل إلي( التربيع الأول) في ليلة السابع من الشهر القمري, ثم إلي( الأحدب الأول) في ليلة الحادي عشر, ثم إلي( البدر الكامل) في ليلة الرابع عشر, وفيها تكون الأرض بين الشمس من جهة, والقمر من الجهة الأخري.

وبمزيد من تحرك القمر حول الأرض تبدأ مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض تتناقص بالتدريج حتي يتحول البدر إلي( الأحدب الثاني) في حدود ليلة الثامن عشر, ثم إلي( التربيع الثاني) في ليلة الثالث والعشرين, ثم إلي( الهلال المتناقص) في ليلة السادس والعشرين من الشهر القمري, ويستمر في هذه المرحلة لليلتين حتي يصل إلي مرحلة( المحاق) في آخر ليلة أو ليلتين من الشهر القمري حين يعود القمر إلي وضع الاقتران.
ولما كان القمر يقطع في كل يوم من أيام الشهر القمري حوالي(12) درجة من درجات دائرة البروج(360 درجة29,5 يوما_12,2 درجة), فإنه يقع في كل ليلة من ليالي الشهر القمري في منزل من المنازل التي تحددها ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية حول دائرة البروج, وهذه المنازل هي ثمانية وعشرون منزلا, بعدد الليالي التي يري فيها القمر, وتعرف باسم( منازل القمر).
ولما كان القمر يجري مع الأرض حول الشمس ليتم دورته الشمسية السنوية فإنه يمر عبر البروج السماوية الإثني عشر التي تقع فيها الشمس في كل شهر من شهور السنة الشمسية. وعلي ذلك فإن كل منزل من منازل القمر اليومية يحتل مساحة في برج من هذه البروج.
وفي الحضارات القديمة عرف الناس دورة القمر من المحاق إلي المحاق, أو من الهلال الوليد إلي الهلال المتناقص, كما عرفوا منازل القمر الثمانية والعشرين, واستخدموا ذلك في تحديد الزمن, وفي التأريخ للأحداث, ويبدو أن ذلك من بقايا الحقب القديمة.
من هنا يأتي وجه الإعجاز العلمي والتشريعي في التأكيد علي أهمية الشهر القمري في تحديد الزمن النسبي لأهل الأرض بدقة فائقة, أما الزمن المطلق فلا يعلمه إلا الله- تعالي- وعلي ذلك فإن سنة المسلمين هي سنة قمرية/ شمسية, يحدد الشهر فيها دورة كاملة للقمر حول الأرض, ويحدد السنة فيها دورة كاملة لكل من الأرض والقمر حول الشمس. والفارق الزمني بين الإثني عشر شهرا قمريا, والدورة الكاملة للأرض والقمر حول الشمس هي في حدود(11 يوما), وذلك يحرك عبادة المسلم عبر الفصول المناخية رحمة بالناس, وإشعارا لهم بحركة الزمن, ولذلك قال- تعالي- موجها الخطاب إلي خاتم أنبيائه ورسله- صلي الله عليه وسلم-( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج...).
و(الأهلة) جمع( هلال), وهو تعبير عن مراحل القمر من الهلال الوليد إلي البدر الكامل ومنه إلي الهلال المتناقص حتي المحاق.